أنتلجنسيا الثقافة والفكر والأدب

سطات مرة أخرى …!

أنتلجنسيا المغرب

امَّحت بنايات ضاربة جذورها في أعماق التاريخ والوجدان، وفي تربة تأبى أن تقبل غيرها، ونمت أخرى فجأة دون سابقِ إنذارٍ مثل نباتات طفيلية ضارة. لم يشمل الهدم كل البنايات، وكل الحارات والأزقة والدروب، لكنه ترك جرحا غائرا في المدينة، وندوبا في الذاكرة والقلب، وتوَلَّدَ عنه توترٌ بين قديم أصيل استُبدِل بجديد هجين، وبين قديم مازال قائما يَرفضُ جديدا قَتلَ كُلَّ أملٍ في أن تكون لنا مدينة تُشبهنا وتتحدث عنا، في أن تكون لنا مدينة كباقي المدن تنمو في تطور طبيعي…

مازالت زنقة الذهَايْبية قائمة لم تُهدَّم بحوانيت العطارين ودكاكين المواد الغذائية وباعة الذهب وحمام ابن جلون ومكتبة الهلال التي كانت ملاذَ غذائنا الروحي. مَكتبة كان يُطلُّ منها “پا قاسم” بوجهه البشوش وقامته القصيرة وهمته التي لا تفتر في سعي دؤوب كي يستمر الكتاب حاضرا في هذه الزنقة جنب رياحين العطارين وبريق ذهب الصاغة وروائح الاسفنج والحلوى “الشبَّاكية” في أشْهر رمضان. يَحضر غذاء الروح والعقل في توادٍّ مع غذاء البطن والمعدة.

الآن تَغيَّر الكثير في هذه الزنقة، حيث تم تحديث بعض البنايات وتغيير بعض الواجهات وإضافة بعض توابل الزمن على بعضها الآخر. إنها ما تزال حاضرة إلى الآن بطقسها اليومي الذي يَتغير من حين لآخر بحسب المواسم والقرارات والمزاج. لكن الذي تغيَّر هو محيطها. في السابق، كانت تُفضي بك إلى ساحة “لقْواس” التي تحتضن بين ذراعيها المفتوحتين محطة “الكيران”، مثلما تحتضن أذرعُ الوطنِ مُغتربا أنهكَهُ طولُ غياب. يحلو لي أن أسمي هذا الفضاء “ساحة لَحمام” الذي كان يتواجد بها بكثرة قبل أن يهجرها إلى أوطان لا تُغيِّر جلدَها مع كل هبة ريح. كان هذا المهاجر الأليف يتخذ من بنايات “لَقْواس” مسكنا له قبل أن تُصيبها معاول الهدم فَتدُكَّها مع الأرض لتبنيَّ “حداثة” ممسوخة.

وقبل ولوجك إلى هذه الساحة الوديعة التي كانت تحرسها بوابات بنايات “لَقْواس” الجميلة، لا بد أن تولي وجهك ناحية اليمين، وأنتَ تدلُف إليها من زنقة الذهايْبية، حيث توجد بوابة ضخمة تؤدي إلى هذا الرياض الكبير الذي تَحول الآن إلى عمارات متوارية عن الأنظار مختبئة وراء بعض دكاكين المواد الغذائية. خلف هذه البوابة، التي تَحولت إلى مدخل لهذه العمارات، بَقي بناء وهُدم آخر… لكن بالنسبة إليَّ هُدِّم كل شيء، وانشطرت الذاكرة وغاب الإحساس والتناغم بين مكونات المكان.

زنقة الذهايْبية التي مازالت قائمة إلى الآن وسط هذه البنايات المُحدَثة ضد الذاكرة، لم تبق المكان الذي كان. لقد أُرغمت على خلع زمن وارتداء زمن آخر. لهذا أقول دائما لهؤلاء العابرين: لقد هُدِّمت المدينة بأكملها، إذ لن تجد ذاتك أمام البناء نفسه في كل مرة تَغيَّر فيها مكان قطعة فوق رقعة الشطرنج، فكل تغيير يضعك أمام بناء “جديد”، أمام خصم “جديد”، أمام نفَس ووضع نفْسي آخر، أمام إحساس وزمن آخر. هذه هي سطات، وهي التي لم تُغَيَّر فقط مواقعُ قطعها النفيسة التي تعبق برائحة تراب استثنائية، وإنما دُمرت جلُّ قطعها، بل أصاب رقعتَها التلف، ومُزقت وذهبت أجزاؤها أدراج الذكرى والرياح. تلاشى كل شيء: القطع ورقعة الشطرنج، البناء والأرض التي يقوم عليها، واستُبدل اللاعبون بآخرين نبتوا كالفطر، أو صُبِغ القدامى بألوان جديدة وحب جديد ومدينة أخرى لا تشبهنا حتما، ولا تشبه تلكَ التي تقبع دون تحريف في كتب التاريخ وذاكرات أصفياء هذه الأرض وصُلَحائِها…

لم يجرِ الهدم في المدينة وفق تصميم محدَّد وباعتماد رؤية شمولية، لأنه لم يكن ينتهي إلا ليبدأ من جديد حين يبدو للقائمين أن الناتج غير متناسق مع القطع المجاورة ومع التاريخ. الكنيسة أو “المورابو” كما يسميه السطاتيون هُدِّم هو الآخر، كان بناية ضخمة أو هكذا كانت تبدو لي. توجد قرب شارع الزرقطوني بحي “السماعلة”، بموازاة الشارع الجديد باتجاه مراكش، وكانت تُستغل قاعةً للرياضة وفضاءً لتقديم مسرح الكراكيز للأطفال في صبيحات ذاك الزمن الجميل، وكم كنت أسعد بحضور هذه العروض التي تأخذنا نحن الأطفال إلى عوالم مفارِقة تسمو على الكائن حيث ينتصر الخير دائما، وينال الأشرار عقابهم، وهو الشيء الذي ليس ممكنا دائما في العالم الماثل أمامنا، كما أدركنا فيما بعد حين غادرْنا براءتنا مبكرا …

هُدِّمت الكنيسة وتَحوَّل المكان الذي كانت تنتصب فيه، دالة على تاريخ وذكرى، إلى موقف للسيارات يُحَوِّله من حين لآخر أبناء الدور القريبة إلى ملعب لكرة القدم. وبالقرب منها يمر وادي بو موسى الذي كان يفصل المدينة إلى قسمين، دون أن يفصل الناس إلى عشيرتين. أذكر أنه قرب هذا الوادي كان هناك ملعبان لكرة القدم، يقع كل واحد منهما على طرف من طرفي الوادي: “تيران الحلفة” على الضفة اليمنى للوادي باتجاه مراكش، و”تيران الحارثي” على ضفته اليسرى بمحاذاة سور المدرسة التطبيقية الخلفي. وكانت كلما تقام مباراة بين فريقين لا ينتميان إلى الضفة نفسِها، تنشب حروب بين عناصرهما ومناصريهما تُوَظف فيها كل أنواع الأسلحة. ومع ذلك نقول كان ذاك الزمن جميلا! أحاول الآن جاهدا تحديد مكان هذين الملعبين، لكنني لا أنجح في ذلك لأن الوادي سُقِّفَ، ومَرَّ فوق بعض أجزائه الشارع الرئيس الجديد للمدينة. أما الشارع القديم فقد ظل، متحسرا يندب حظه العاثر ومآله، يُطل على هذا الأخير عبر الزنقة الخلفية للمدرسة التطبيقية التي تَحوَّل هُدوؤها الذي كانت تنعم به قبل الهدم إلى ضوضاء عارمة لا تهدأ طوال النهار: الأبواب الخلفية للسوق الممتاز، المقاهي الجديدة التي نبتت في كل أركانه، والتي تحرِصُ على أن تراقب حركة البشر والحجر والهواء في هذه الزنقة التي كان الناس يُشكلون فيها عائلة واحدة تنفتح الدور فيها على بعضها بعضا.

بالقرب من الكنيسة التي كانت ذات زمن وتبخرت، وبعد عبور الوادي إلى الضفة الأخرى باتجاه الشرق، تتربع المدرسة التطبيقية التي درَست بها في مرحلتي الابتدائية بعد انتقالي من مدرسة ابن بسام للبنين بحي “السماعلة”، تَخرَّج منها معلمون أجلاء وأساتذة ألمعيون ومهندسون وأطباء وكتاب وحمقى ومشردون، ومنهم من اختار السفر سريعا فقرر الرحيل طوعا من هذه الحياة، فانتحر…! أولئك أصدقائي ورفاق الدراسة، الحديث عنهم ذو شجون. كانت نواة هذه المدرسة مؤسَّسَة تعليمية صغيرة، تتكون من قسمين ومرآب ومراحيض، وبمحاذاتها كانت بناية بها مقر الاتحاد المغربي للشغل الذي كان أبي يحرص على حضور اجتماعاته بانتظام مساءً عندما يُنهي عمله بالمدرسة نفسِها، فيلبس أحسن ثيابه ويذهب إلى مقر النقابة، وننتظر عودته لتناول وجبة العشاء جميعا وللاستماع إلى تقريره المفصل عما حدث في الاجتماع وعما قاله الزعيم، وكنت تحس من نبرة صوته وتقاسيم وجهه إعجابا كبيرا بما يحكي. ومن بين الشجون الجميل الذي يحضرني، وأنا أتحدث عن النقابة، احتفالات فاتح ماي، إذ كنت أصعد إلى سطح القسمين-النواة لأشاهد مسيرة العمال التي تنطلق من مقر النقابة، وتمُر من الزنقة التي تنفتح عليها بوابة المدرسة، ثم تجوب بعد ذلك معظم شوارع وأزقة المدينة، وكان يُعجبني الاستماع إلى تلك الأغاني ولأناشيد التي تُصدرها مكبرات الصوت. لم أكن أعي معنى هذه الاحتفالات ولا معنى النقابة، ولكنني كنت مأخوذا بهذا الكرنڨال البهيج من الألوان، وهذه الموسيقى ذات الايقاعات المنوَّعة، وهذه الأناشيد الحماسية. لاحقا، أصبحتُ أشارك في هذه الاحتفالات دون أن أُدرك في تلك الطفولة البعيدة معناها. وكل ما كنتُ أعرفه هو أن هؤلاء المجتمعين هنا والآن، وبكل ألوانهم البهيجة، يستطيعون أن يقولوا في هذا اليوم ما لا يمكنهم قوله طيلة أيام السنة. بُني بمحاذاة هذه النواة ستة عشر قسما إضافيا ومكتبا للمدير، وأصبح الكل يُشكل المدرسة التطبيقية. وقد سُميت بهذا الاسم لأن الطلبة المعلمين الذين كانوا يدرسون بمدرسة تكوين المعلمين التي تقع بمحاذاتها، كانوا يجرون بها تدريباتهم العملية. خضعت هذه المدرسة لتغييرات كثيرة، فتحول مكتب المدير إلى منزل المدير، وتحولت مراحيض المدرسة-النواة إلى مكتب للمدير بعد أن كانت قد تحولت إلى مطعم لإطعام التلاميذ المنحدرين من الأسر المعوزة، وتحول الجناح المكون من ستة أقسام إلى مدرسة للمعلمين… وهُدم الكل في السنة ذات الأصفار الثلاثة من هذا القرن إن لم تخني الذاكرة، وهي السنة التي غادر فيها والدي هذه الدنيا الفانية. وكأن المدرسة كانت تنتظر رحيله لأنها كانت تعلم بحبه لها، وهو الذي قضى فيها سنوات لا يبرحها إلا لقضاء غرض أو عيادة مريض أو زيارة قريب أو أداء الصلاة. كان ملتصقا بها إلى حد التماهي والحلول، يبثُّ في أرجائها جمالا مشكَّلا من أزهار زاهية الألوان، زكية الروائح.

والآن! أقيم مكان هذه المدرسة سوق ممتاز وتوزع تلامذتها غرباء على مدارس أخرى. عندما كنتُ أمر قرب هذه المدرسة، بعد أن تحولت إلى أطلال وأنقاض وغبار، يمر بذاكرتي شريط الذكريات، أتذكر طفولتي. لم يتبق سوى أشجارٍ تورق مع توالي الفصول، وبعضِ الذكريات، والوجوهِ التي مرت من هذا الفضاء، هنا كان منزلنا ذات زمن جميل، أهتدي إليه الآن بشجرة تصبح أزهارُها زاهية الألوان في فصل الربيع، شاخت هذه الشجرة، لكنها ما زالت صامدة تُذكِر بالذي كان وتشهد على المآل. الآن استحال كل شيء إلى ذكرى، والقليل من هؤلاء العابرين والوافدين الجدد الذين يعرفون أصالة المكان وعُمق الإحساس به، والشجون التي يوقظها فينا نحن الغرباء في مدينتنا.

قطعة أخرى ماتزال حاضرة إلى الآن، لكن تغيَّر كل البناء المحيط بها. إنها مدرسة ابن تاشفين الابتدائية أو مدرسة “القشلة”. أتحدث عن هذه المدرسة لأنها توجد بالقرب من مكان كنتُ شديد الارتباط به في طفولتي. إنه دار جدي العتيقة التي كانت توجد بحي سوق “الأحد”، وقد أُطلق عليه هذا الاسم لمحاذاته السوق الأسبوعي الذي كان ينتصب كل يوم سبت وأحد، وتحول الآن إلى فضاء يضم مجموعة من البنايات والدور السكنية. تسمى مدرسة ابن تاشفين مدرسة “القشلة” لأنها كانت في البداية ثكنة عسكرية. كانت تنتصب بالقرب منها في اتجاه الدار البيضاء بناية كانت آية في الهندسة المعمارية، كان السطاتيون يطلقون عليها اسم “مارشي البال”. وكانت تضم مجموعة من الدكاكين لبيع الملابس المستعملة ومواد غيرها، وتشير التسمية إلى تلك الرزم الكبيرة التي كانت تُستعمل لحمل الملابس المستعمَلة القادمة من الضفة الأخرى للمتوسط، هذا “المارشي” كان فضاء أثيرا بالنسبة إلينا نحن الأطفال في ذلك الزمن، نُجري فيه حروبنا الصغيرة، حيث تأخذنا متاهاته وزواياه المتعددة لتلقي بنا في نشوة وسعادة بلا ضفاف لا يكسرها سوى صوت تاجر ينهرنا ويأمرنا بالكف عن هذا الدوران المزعج. قرب هذا “المارشي” كانت هناك ساحة خلاء ينتصب فيها من حين لآخر “السويرتي”، وأعتقد أن الاسم مأخوذ من الاسبانية، ويعني الحظ. وبالفعل كانت كل الألعاب الموجودة مرتبطة بالكثير من الحظ والغباء، وبالقليل من الذكاء. كنت آتي كل صباح من دار جدي التي لا تبعد عنه سوى ببضعة أمتار، وأقوم صحبة أقراني بجمع أوراق الرهان المتساقطة على الأرض، وقد شكَّلت زربية زاهية الألوان، حتى لا أقول لوحة تشكيلية لأني لم أكن أدرك في تلك السن البريئة معنى التشكيل، لنصنع منها أحزمة بعد ظفرها. في هذا المكان سمعت لأول مرة أغنية “راحلة” للمرحوم الحياني، ولم أكن حينها أعرف عنوان الأغنية ولا اسم المغني، وقد أدركت ذلك فيما بعد. هُدم “المارشي” وحلت محله قيسارية لبيع الملابس التقليدية، وأصبحت تبيع كل شيء فيما بعد، اختلط الحابل بالنابل، وتمت تهيئة حديقة مكان ساحة “السويرتي”، وتغيرت ملامح المكان، نبتت بنايات جديدة استفادت من التهيئة الجديدة، وبملامح غريبة لا تشبهنا. أمام هذه الحديقة و”المارشي”، وبعد أن تعبر الشارع الجديد-القديم إلى الضفة الأخرى تم الإجهاز على زقاق بأكمله بمختلف بناياته التي يذكرها السطاتيون جيدا وتغيرت ملامحه. إنها آلة التدمير لا تبقي ولا تدر.

نعود لنعبر الشارع صعودا في اتجاه الشرق نحو دار جدي التي كانت تقع في زقاق متفرع عن الشارع الذي كان يوجد على أحد طرفيه السوق الأسبوعي. كانت دار جدي تقع في أقصى الزقاق. عندما تلج إليها لا بد أن تمر ببهو مستطيل الشكل، تنزل بعده الدرج وتلف في اتجاه اليمين ليستقبلك فناء واسع على هيئة مُربع تقريبا، فناء مفتوح على السماء التي كان يحلو لي، في تلك الطفولة التي لم ينعم بطعمها الجميل أبناء الأثرياء، أن أستلقي على ظهري وأراقب النجوم وهي تسبح فيها، مستمتعا بجمالها الأخاذ، وكنتُ أغلق أحيانا عيني واستسلم لأحلام جميلة لا تستعيدني منها سوى هبات نسيم الصيف الهادئة، وهي تداعب وجهي وأطراف جسدي، وعندما أفتح عيني كنت أعتقد بأني سأرى الله لفرط ما قيل لنا بأن الله يوجد هناك في السماء. إنه يرانا ويرعانا جميعا. تَفتح الغرفُ أبوابَها ونوافذها على هذا الفناء مُديرة بظهرها إلى الغريب. كان يعجبني في تلك الطفولة الاستثنائية اجتماع العائلة بكامل أفرادها في هذا الفضاء الأثير متحلقين لتناول وجبة العشاء أو متسامرين حيث لا وجود لراديو أو تلفاز أو أية وسيلة من الوسائل الموجودة الآن التي فرضت على الإنسان أن يعيش غريبا حتى عن ذاته. دار جدي بقيت وحدها الآن بعد أن تم تغيير معالمها وإضافة طابق علوي، وحدها الآن تصارع العمارات التي تضغط عليها وتحجب عنها السماء ورؤية الله. كنت كلما أغادر هذه الدار ينتصب أمامي زقاق طويل بكل الأسئلة التي كان يثيرها في ذهني. كانوا يطلقون عليه” بوطويل”، وكان الجميع يحذرنا نحن الأطفال من السير في هذا الزقاق إلى منتهاه، وكنتُ أعتقد بأن لا نهاية له تماما مثل البحر الذي كنت أظن عندما زرته ذات طفولة بريئة أن لا حدود له وأنه مترامي الأطراف، عالم بلا ضفاف. لم نكن نرى البحر إلا عندما تطأ أقدامنا رماله. هكذا كان هذا الزقاق بالنسبة إلي ولأقراني، وظل العالم الذي يفضي إليه غريبا عني، وعالما مجهولا طرحتُ بخصوصه العديد من الأسئلة التي لم أعثر لها عن جواب إلا بعد أن كبرت، وكانت المفاجأة كبيرة لأن الزقاق لم يكن يؤدي سوى إلى عالم يشبه عالمنا: مجموعة من الدور المتداخلة وكأنها تسند بعضها بعضا مخافة من الانهيار، وعدد من الأزقة الملتوية وبشر، نعم وبشر…

نعود الآن إلى منزل جدي لنخرج من الزقاق، ويستقبلنا من جديد شارع سوق الأحد، ننعطف إلى اليمين لنجد مباشرة دكان “القصاب”، وهو حرفي متخصص في صناعة القصب لم يكن يبرح مكانه بالدكان، وكأنه موجود هناك منذ الأزل منهمك في صناعة تحف رائعة من القصب، أذكر أنني في زمن ما، اشتريت من هذا الدكان خزانة للكتب مصنوعة من القصب مكونة من خمسة أو أربعة رفوف، قمت بترتيب كتبي عليها، وكنت دائم الاعتناء بها. في زمن ما، تغير كل شيء، توفي “القصاب” رحمة الله عليه، وخلف أبناء وبنات كان لهم رأي آخر، لم يختف الدكان، لكن تقلص نشاطه أو انعدم، وأعيد تهييئ المكان بمزاج آخر ومصالح أخرى. ظهر بناء جديد ومقهى بزبناء دائمين، ووجوه أخرى، ولم يعد البناء متصالحا، كما كان، مع الناس، مع نفسه، ومع الجوار كغيره من فضاءات هذه المدينة التي طالتها معاول الهدم وغَيَّرت الملامحَ والمزاجَ أيضا.

حين أتحدث عن سينما كاميرا، فأنا لا أتحدث عن أطلال أو عن أنقاض، وإنما عن ذكرى وعمق دفين، عن قاعة دُكَّت مع الأرض. وحدهم أبناء المدينة يستطيعون أن يَدلوك الآن على المكان الذي كانت تنتصب فيه شاهدة على تاريخ متعدِّد وأحداث طبعت هذه المدينة. قاعة السينما دُكت وأُلحقت الآن بما تبقى من الحديقة الرائعة؛ حلية المدينة وقلبها النابض.

والآن، كلما أمُر قرب المكان الذي كانت تنتصب فيه هذه القاعة، يَمر شريط الذكريات. إنها لحظات كثيرة تؤرخ لعلاقة الذات بهذه القاعة التي اختفت من المكان، لكنها مازالت عالقة بالذاكرة مستقرة بين ثنايا الجسد والروح (متعة الذهاب إلى السينما في تلك الطفولة البعيدة مع أخوالي أو صحبة رفقاء الدراسة أو الحي، تنظيم نهائي المسابقات الثقافية للمدارس الابتدائية، صبيحات النادي السينمائي، تكريم أو تأبين رجالات مروا من هنا، تجمعات انتخابية…). كانت مفردا بصيغة الجمع وجمعا بصيغة المفرد.

بعد هدم سينما كاميرا الوحيدة بالمدينة، تم تعويضها بسينما الزهراء التي تقع على مقربة من المدرسة التطبيقية، على إحدى جانبي ما تبقى من شارع محمد الخامس، قبالة محطة للبنزين، وقد كانت تُستعمل أيضا قاعة لتقديم عروض بعض الفرق المسرحية المحترفة التي كانت تزور مدينة سطات من حين لآخر، غير أنه بعد تهيئة شارع الحسن الثاني، خاصة الجزء القريب من المدرسة التطبيقية، قام مالك سينما الزهراء ببناء قاعة سينما أطلق عليها سينما الأهرام التي تحولت فيما بعد إلى قاعة للأفراح بعد أن تحولت سينما الزهراء إلى قيسارية ممسوخة تعج بدكاكين لبيع الملابس والعطور وكل شيء إلا السينما الغائب الكبير في كل هذه الرحلة من سينما كاميرا إلى سينما الزهراء انتهاء بسينما الأهرام. ما يلفت الانتباه هو التسمية، فإذا كان اسم كاميرا يرتبط بالسينما، فإن الاسمين الآخرين يبدوان غريبين عن مجال السينما وعن المدينة كذلك. وما يقال عن السينما يَصدق على أسماء الأزقة والشوارع والمؤسسات التعليمية والرياضية والثقافية، وكأن المدينة خلو من الأسماء التي تكرم أبناء مروا من هنا. إنه منفى آخر. إنها عزلة أخرى. المدينة لا تُكرم أبناءها وعلماءها ومثقفيها، وكأن المدينة لم تلد بعد كل مخاضاتها العسيرة إلا الفراغ. مدينتنا امرأة حبلى وولود يكفي أن ننبش في تاريخها أو أن تتوفر لنا الإرادة للتنقيب في هذا التاريخ. في التاريخ القريب جدا فقدنا شاعرا كبيرا وباحثا وناقدا رصينا الصديق الأستاذ العربي الذهبي. من يذكره الآن سوى أصدقائه الذين اختاروا أن يُطل عليهم من “شرفة الأبد”؟ وددت لو أعثر على اسمه في شارع أو ساحة أو ركن منسي من هذه المدينة، لأخبر أصدقائي وتلامذتي بأنه العاشق الذي أحب تراب المدينة وهواءها، وغادر في غفلة منا. غادر في صمت مثلما عاش في صمت. ووددت لو أعثر على اسم أحمد السطاتي المفكر والفيلسوف، أو اسم شعيب الزيراوي المقاوم الفذ، أو على اسم محمد لفتح الروائي الكبير، وغيرهم كثير… وددت لو أعدنا ترتيب الأسماء من جديد. ذلك حلم آخر! تلك معركة أخرى!

هُدِّمت قاعة السينما الأولى وحُوِّلت الثانية إلى مركز تجاري، والأخيرة إلى قاعة للأفراح، ومع ذلك مازال بالمدينة ناد سينمائي يقاوم الفراغ، ويقدم لأبنائها فرجة منتظمة، ويشرف على مهرجان يفتح عشيرتنا على تجارب أخرى من ضفاف وهموم أخرى…

إن ما أكتبه الآن لا يُعد شكلا من أشكال التباكي، وإنما هو مجرد استعادة متواضعة لإرث وتاريخ وذكرى… إنه التاريخ المنسي…

هنا والآن:

هي سطات دائما وإلى الأبد: عروس متربعة بين تَلَّين، حالمة، وديعة ونائمة بهدوء في حضن وادٍ دَشَّن عمارَ مدينةٍ وفرحَ إنسان…

هي مدينةٌ تبحث عبثا بين الأتربة والأنقاض عن نفسها، عن ملمح، عن بصمة تُسَوِّق بها ذاتها بين المدن الأخرى…

هي مدينة بدون ملامح أو هي ملامح بدون مدينة… تلك المدينة وملامحها حكايةٌ لم تكتمل، حكايةٌ أخرى، موضوعُ حديثٍ بين عشاقها المُتَيَّمِين بحبها، وحلبةُ صراعٍ بين ملاكمِين استَبدلوا ملفات التدبير بقفازات العراك فوق طاولات النقاش…

هي مدينة ننتظر عبثا أن تنبعث من الرماد مثل طائر الفينق. ونأمل أن تنتشر بيننا عَمارا يلملِم شتات خرابٍ عاث فسادا فينا…

هي مدينة نتلمس طُرقها بين الحفر والمطبات، وبين وشوشات الدخلاء وهمسات العابرين وحكايات الجدات…

هي مدينة، والمدينة هي. فأين هي سطات بالتعريف والتنكير؟ أخبروني حينما تعثرون عليها، أما أنا فأحتفظ بها في أقصى جزء من ذاكرتي: شغب طفولة بريئة، حماقات مراهقة مبكرة، اندفاع وحماس شباب ذي عزم وتصميم…

هي المدينة، فابحثوا عنها في كل مكان، في كل زاوية وخريطة، فلكل منا سَطَّاتُه. هي ليست أصلا تجاريا لأحد أو بضاعة أصابها البوار والكساد. هي بكل بساطة سطات الوديعة الهادئة، الفاتحة أحضانها لاستقبال الوافد في تودد وحب صوفي وقلب دافئ وديع. هي تخْييل خَطَّه أبناؤها سردا جميلا وشعرا دافقا وصورا بتضاريس حالمة وأبحاثا بعمق علمي رصين.

هي سطات: بين المسخ والأصل تموت مدينة وتولد أخرى…

هي مدينة تقول لكم: تصبحون على سطات، فكل مدينة وطن وكل وطن مدينة…


شاهد أيضا