أنتلجنسيا الثقافة والفكر والأدب

التغبية والتعليم

وشاءت الأقدار أن أنضم إلى أسرة التعليم، ويا لها من مهمة جليلة القدر نبيلة الغاية، مزدانة بشعار الأنبياء، فبحجم حسن سمعتها بحجم علاتها وويلاتها؛ خصوصا في بلاد لها علاقة غير شرعية بالتعليم تصورا وتصديقا، فالمدرس بالمغرب مهندس بشري مهمته تنشئة جيل صاعد مقابل راتب هابط وفق منهاج أعرج، ولست أتخيل كيف يستطيع أحدنا ربط علاقته بالكتاب وتحيين معلوماته وإرواء معرفته في خضم انشغاله بإعداد الدروس في البيت ونزاله اليومي داخل القسم من أجل إعادة تأهيل فئة من المتخلى عنهم تربويا وهم داخل أسرهم، فتتسع الهوة بين المدرس والكتاب بمجرد الولوج إلى المراكز الجهوية للتربية والتكوين.

قد يقطب بعض المجتهدين حواجبهم ويتهمني ومن على رأيي بالكسل، ولكني أحد الذين تسبب التعليم في إهدارهم  أطاريح الدكتوراه وعددهم كثير، وقد كانوا من ألمع الطلبة أيام الجامعة، وبالمناسبة؛ كانت أول عبارة قالها لي أستاذي المشرف بخصوص التحاقي بالمهنة: “لقد أقبرت نفسك”، ولا أدل على ذلك من هذا الأسلوب الكفْن (لاملح فيه) الذي صرت أكتب به، إضافة إلى خطأ لغوي أفحشته نسيانا بخصوص الظاء في كلمة “اكتظاظ” لو أتى به غيري لأشهرت على مسامعه حدة الكلام.

ما كنت أظن يوما أن يدقق لي أحد وقد كنت مدققا لغويا على موقع الجزيرة، أراجع خلف الكتاب من مختلف جنسيات العالم، ـ نعم من مخلف جنسيات العالم لأن هناك من غير العرب من يكتب بالعربية ـ فالحق والحق أقول: لقد ذهبت هيبتي أدراج التعليم (تقبلوها مني رجاء)، لقد راح زمن قال لي فيه الدكتور “الواسطي”: أتقرأ ما في ذهني؟ لقد راح زمن قال لي فيه الدكتور “العلمي” مشجعا: أنت حقا عبقري، لقد راح زمن قال لي فيه الدكتور “لحميداني” أنت مشروع كاتب، لقد راح زمن نوه فيه الدكتور بوحمدي بفصاحة لساني، لقد راح زمن احتججت فيه لصحة عبارة “إلى والدي الصبوران” بدل الصبورين بأنها نعت مقطوع إلى الرفع أمام لجنة مناقشة بحث الماستر وأجبرت بعدها على إعادة المناقشة بما أقروه، قد أبدو مغاليا أو مدعيا ولعل ترتيبي الثاني ضمن خريجي دفعتي قد يشفع لي لدى من لا يعرفني رغم أنني لم أكن راضيا على ما قدمته في المباراة، ومن رأى في كلامي مباهاة فإما أنه أساء الفهم أو أنني أسأت التعبير عن دواخلي، المهم وعلى رأي المغاربة “البكا مور الميت خسارة”، لم يملي علي شيطاني عندما صُحّح لي غير عبارة أبي ذر الغفاري لبلال بن رباح رضي الله عنهما ” حتى أنت يا بن السوداء تخطئني” وهي عبارة موغلة في الجاهلية لم أنطق بها لأن التعليم لا يفقدك الأخلاق مهما ساءت ظروفه وصروفه، لم يهدئ من روعي غير تذكري قريش وهي تحاجج النبي عليه الصلاة والسلام في كلمات مذكورة في القرآن أنكرت وجودها في العربية (قسورة، كبارة، عجاب)، إلى أن سمعوها على لسان قس بن ساعدة الإيادي، وهم من هم في العربية، وأنا من أنا في البعد عنهم، ثم استحضرت سيبوبه أمام الكسائي وقد تم تغليطه أكثر من مرة في المناظرة المشهورة بالمسألة الزنبورية، وأين أنا من أغلفة ما ألفه سيبويه في العربية، ثم إن العربية لا يحيط بها إلا نبي كما قال الشافعي رحمه الله، ورغم هذه الكمادات، يبقى التعليم بما هو عليه سدا منيعا بين المدرس وتنمية معارفه، وإذا كان ما تعرضت إليه من عوارض النسيان قد أحدثه مضي أقل من ثلاث سنوات ضمن الجسد التربوي؛ فما بال من أمضى فيه ربع قرن، لعل الإجابة في المستشفيات النفسية والأمراض العقلية والعصبية، ونسألكم الدعاء.


شاهد أيضا