أنتلجنسيا الثقافة والفكر والأدب

العواصم من جهالات ومغالطات حمزة النهيري

قبل شهر، شاركت في ندوة علمية بكلية أصول الدين بتطوان خُصصت لمدارسة فكر وتراث العلامة ابن العربي المعافري رحمه الله، وهي الندوة التي عرفت نجاحا منقطع النظير، وسال المداد في مواقع التواصل الاجتماعي تفاعلا مع مجرياتها سلبا وإيجابا، ولم تكن ندوة عقيمة لا أثر لها ولا تفاعل مع فعالياتها.

وكانت مداخلتي مؤطرة بسؤالين: هل كان ابن العربي المعافري حافظا ناقدا؟ وهل كان صوفيا سالكا؟

وبعد البحث في المتن المعافري، تبين لي بالدليل الملموس أنه لم يكن حافظا ناقدا، ولم يكن من الصوفية، بخلاف نبوغه في الفقه والأدب.

وبما أن كثيرا من الطلبة والباحثين يعتقدون أنه كان محدثا ناقدا صيرفيا، وصوفيا ربانيا زاهدا، فإن مداخلتي لم يكن لها أن تمر بسلام، نظرا لخرقها المألوف، وخرق المألوف صعب، خصوصا على أرباب القص والنسخ، لذا تجاوزوا النقد لمداخلتي، وأنى لهم ذلك، وصوبوا سهام النقد للطعن في شخصي، والتشويش بالكلام الفارغ الذي لا يسمن ولا يغني من جوع.

وممن تفاعل مع مداخلتي سلبا، الباحث حمزة النهيري، حيث كتب تدوينة في موقع الفايسبوك لنقد ونقض المداخلة، فأتى بالعجائب كعادته.

ونظرا لهزاله وضعفه، ما كان لي أن أتفاعل معه أو أن ألتفت إليه، إلا أنه خرج بتدوينته إلى العلن، ونشرها في موقع almojtamaa.ma، فصار لزاما علي أن أتفاعل اضطرارا لا اختيارا، تنويرا للرأي العام والقراء الكرام.

وأنا لم أعرض عنه ابتداءً احتقارا له أو ازدراء، بل لأنه ضعيف جدا، وكتاباته دالة على ذلك، ومنها بحث هزيل جدا حول طه عبد الرحمن ومحمد عابد الجابري، وبحث غاية في الهزال حول الباقلاني، عنوانه “مدرسة الإمام الباقلاني في أصول الفقه”، لم يذكر شيئا حول هذه المدرسة ومعالمها، حيث لا وجود للمدرسة إلا في العنوان، وقد نشر مؤخرا أحد المقربين منه نقدا دقيقا حول هذا الكتيب، وسنوقف القارئ الكريم على هزال صاحبنا من خلال منشوره الذي تفاعل فيه ومن خلاله مع مداخلتنا.

أول الأمر، نشر صاحبنا منشورا في حائطه الفايسبوكي لنقد مداخلتنا، وبعد مدة، لقنه البعض ما يعضد به انتقادنا، فأضاف إلى منشوره إقحامات، منها الادعاءبأننا مجرد ناقلين، ولا جهد لنا في المداخلة، وهذا “التعاون” أمر سائغ، وهو ما يصطلح عليه في برنامج من سيربح المليون ب”الاستعانة بصديق”.

وإذا تجاوزنا هذه الفقرة المزيدة، فإننا سنقف مع منشوره وقفات:

الوقفة الأولى:

استهل منشوره بعبارة “جناية في الطرح وسوء أدب مع الإمام الحافظ الناقد أبي بكر ابن العربي”.

وشخصيا، لا أرى انتقاد ابن العربي أو غيره جناية ولا سوء أدب، بخلاف الاستصناميين، وفي مداخلتي حليت ابن العربي ب”الإمام” وب”العلامة”، وهذا وحده دال على الاحترام والتقدير له ولغيره من أعلام الأمة، أما أن يفرض علينا أحد أن نقول عنه “إمام في الحديث” و”إمام في التصوف” رغم أنوفنا، فهذا ما لا يقوله إلا الستالينيون، ونسوا أو تناسوا أننا في المغرب ولسنا في ستالينغراد.

الوقفة الثانية:

ادعى حمزة النهيري أننا نتحدث بمنطق “عين السخط” عن الرجل، وهذا من الغرائب، لأننا أوردنا ما يكفي من الاستدلالات على مقولنا، وإذا كان ولا بد من وصف مداخلتنا المليئة بالاستدلالات بأنها مجرد “عين السخط”، فإن منشور النهيري الفارغ من الاستدلالات لم يتجاوز منطق “عين الرضا”، فانطبق عليه المثل “رمتني بدائها وانسلت”.

الوقفة الثالثة:

ذكر حمزة النهيري أن عين السخط حملتنا على ثلب ابن العربي بأنه صاحب عقل خرافي.

وهذا إما كذب من الرجل، ولا يجمل به الكذب في رمضان، أو سوء فهم دال على الهزال المشار إليه أعلاه، والصواب المثبت في مداخلتي، أنني حين تكلمت عن مسألة اشتهر بها ابن العربي، وهي إصراره على رفض الاستدلال بالحديث الضعيف، ودعوته إلى الاقتصار على الاستدلال بالصحيح فقط، قلت بأنه أول من لم يلتزم بشرطه هذا، فاستدل بالضعيف، وبالموضوع، والإسرائيليات الخرافية.

وفرق كبير بين عبارة: “فلان يستدل بالإسرائيليات الخرافية”، وبين عبارة: “صاحب عقل خرافي”. ومن لا يميز بينهما لا يستحق أن يُلتفت إليه.

ولما ذكرت هذه المسألة، لم أطلق الكلام جزافا، وإنما أوردت الدليل من كتاب المتوسط في الاعتقاد، وهو كتاب لم يطلع عليه الحافظ أحمد بن الصديق الغماري الذي ادعى في الفقرة المقحمة أنني مجرد ناقل عنه.

ذكر ابن العربي في كتابه المذكور أن الشيطان لما أراد إغواء آدم، دخل في جسد الحية، وتسلل معها إلى الجنة، وأغوى آدم، وبعد ذلك مسخ الله الحية، إلخ الخرافة. وفي متن ابن العربي إسرائيليات أخرى.

وبعد أن ذكرت هذا النموذج الخرافي في كتبه العقدية وليس الوعظية، قلت بأننا تعودنا على حسه النقدي، لكنه لم يستخدم حسه النقدي هنا، فكان (ديزاكتيفي).

الوقفة الرابعة:

حاول أن يلزمنا بما نعتقده، حيث سبق أن وصفْنا في عمل أكاديمي أن الشيخ عبد الله بن الصديق الغماري حافظ ناقد، فألزمنا بكونه له أوهام بيّنها شقيقه وتلميذه الشيخ عبد العزيز بن الصديق.

وهنا نقول: على الخبير سقطت، فللغماري أوهام، وللسيوطي أوهام، وللترمذي أوهام، وللبخاري أوهام، وللدارقطني أوهام، وللهيثمي أوهام، فهل سلم من الأوهام أحد؟

لكن، هل أوهام هؤلاء كأوهام ابن العربي؟

كلا، فالرجل له أوهام في الحديث لا يقع فيها المبتدئون، وقد بينت إحداها، وعلقت عليها بقولي: “هذا لا يقع فيه صغار الطلبة”، لكن صاحبنا لم يقو على ردها ونقضها، فأغفلها في منشوره ولم يعرج عليها.

ومن أوهام ابن العربي أن الحديث في البخاري فيعزوه إلى مسلم، ومنها أن الحديث في مسلم فيعزوه إلى البخاري، ومنها أن الحديث يعزوه إلى النسائي وهو غير موجود فيه، والأوهام التي وقعت من الغماري أو غيره ليست كالأوهام المتكاثرة في مثل هذه الكتب المشهورة التي كان يحفظها الفقهاء والمحدثون، خصوصا الصحيحان.

فالتسوية بين أوهام الغماري وأوهام ابن العربي تدليس على القراء.

ومن أوهام ابن العربي أنه زعم أن شرط البخاري ألا يخرج الحديث إلا إذا رواه اثنان عن اثنين عن اثنين، وهذا وهم وخطأ، وقد رده الحفاظ أجمعون أكتعون، وذكرته في عرضي، ولم يعرج عليه النهيري، لأنه لم يستطع أن يرد عليه في مشاغبته.

الوقفة الخامسة:

قدم النهيري عتابا لعميد الكلية والقائمين على الندوة، ونبههم إلى ضرورة استدعاء من قام بخدمة تراث ابن العربي، وضرب لهم مثلا بنفسه، وذكّرهم بكونه حقق كتابا من كتبه.

وهذا غريب، فكأنه يعرض بنفسه ويطلب منهم أن يقدموه في الدعوة على غيره، مع العلم أنه ليست له ميزة تفرض عليهم إدراج اسمه في لائحة “المفضلة”، وليس من شرط المشاركة في الندوة أن يكون الباحث قد اشتغل سابقا في تحقيق كتاب شخصية المنتدى، وكم من شخص حقق كتابا وغيره أعرف به منه، والنهيري من هؤلاء، كما يتبين في السادسة.

الوقفة السادسة:

ذكر حمزة النهيري أنه حقق كتاب “الوصول إلى علم الأصول”، وعلق على الكتاب بكونه “ظهر فيه مشرب تصوف ابن العربي وتحقيقه في علم الكلام”.

وهذا غريب، لأن هذا الكتاب في أصول الدين، يعني علم العقيدة والكلام، ولا علاقة له بالتصوف لا من قريب ولا من بعيد، إلا إن ذكرت فيها نتف أو إشارات، فكيف ظهر فيه مشربه الصوفي؟ فهل يبين لنا ذلك المشرب وعنوانه ومدرسته؟ نرجو ذلك، بشرط ألا يتعامل معه كما تعامل مع مدرسة الباقلاني التي ذُكرت في العنوان وأُغفلت في المتن.

ثم أضاف بعقلية استصنامية أن ذلك الكتاب أبرز تحقيق الرجل في علم الكلام، وهذا لا علاقة له بالواقع البتة، فالكتاب المذكور من أوائل مؤلفاته، وأغلبه نقول عن غيره، والرجل لم يظهر التحقيق في علم الكلام في كتبه المتأخرة التي ألفها في مرحلة النضج العلمي، فكيف يظهر نبوغه في كتابه الذي تدرب فيه على التأليف؟.

وأختم هذه الوقفة بالقول: ابن العربي لم يكن محققا في علم الكلام، بل كان مقلدا ناقلا لأقوال السابقين، ومن سبر كتبه أدرك هذا جليا، وقد أحسن ابن تيمية رحمه الله حين أدرجه ضمن المقلدةفي علم الكلام، وأنه لم يتجاوز تقليد المشارقة، ولعله يقصد بذلك أبا حامد وأبا المعالي، فقال: “وأما من تكلم في ذلك من فقهاء المالكية المتأخرين، كالباجي، وأبي بكر ابن ‌العربي، ونحوهما فإنهم في ذلك يقلدون لمن أخذوا ذلك عنه من أهل المشرق المتكلمين، ومعترفون بأنهم لهم من التلامذة المتبعين، ليس في كلام أحد من هؤلاء استيفاء الحجة في هذا الباب من الطرفين، ولا النهوض بأعباء هذا الحمل الذي يحتاج إلى فصل الخطاب في القولين المتعارضين”.

هذا كلام ابن تيمية، وهو أولى من كلام حمزة النهيري، لأن الأول مطلع على مقولات ابن العربي المقلِّد ومقولات المشارقة المقلَّدين، أما الثاني فباحث ضعيف هزيل لا يحيد عن منهج “عين الرضا”.

الوقفة السابعة:

بعد توجيه العتاب للقائمين على الندوة، توجه بالعتاب إلى الباحثين العارفين بتراث المعافري الذين سكتوا عن تهافت مداخلتنا.

وهذه أستاذية غريبة، حيث نصب النهيري نفسه أستاذا للباحثين والعلماء الذين شاركوا في الندوة، وصار يوجه لهم العتاب يمنة ويسرة، ولم يعلم أن الباحثين المشاركين في الندوة لم يسكتوا، بل إن اثنين من المشاركين وجهوا انتقادات دقيقة وصويبة لابن العربي، وخلصا إلى أنه ليس حافظا، وجاء بعدهما عبد الله الجباري في اليوم الثاني.

هذا هو البحث العلمي، وهذا هو التجرد والموضوعية، أما العقلية الاستصنامية فمجرد زبد يذهب جفاء هباء وهاء هواء.

الوقفة الثامنة:

أعلن صاحبنا تحيره من أي نقطة سيبدأ في نقد ونقض مداخلتنا، لكنه بدأها بما أسقطه على أم رأسه، فقال: “هل نرد عليه وصفه لشيخ المالكية ابن رشد الجد بأنه كان سلفيا وليس أشعريا مع ما عرف من فتواه الشهيرة التي قال فيها عن الأشاعرة: (لا يعتقد أنهم على ضلالة وجهالة إلا غبي جاهل، أو مبتدع زائغ مائل …)”.

هذا كلام النهيري الحائر المتحير، ونحن نزيل حيرته، ونداوي جهله بالعلم، فنقول:

أ ــ ذكرت في مداخلتي أن الأشعرية اختيار من الاختيارات، وليست من الثوابت التي لا يعترف بغيرها، وذكرت من أدلتي على ذلك حالة ابن رشد الجد، وأنه كان سلفي الاعتقاد، ولم يكن أشعريا.

ب ــ في المناهج والمذاهب الاعتقادية، نقول: هناك الأشعرية والماتردية وأهل الحديث، والثالث يسميه البعض سلفية، ويسميه البعض حنبلية. وبما أن ابن رشد لم يكن ماتريديا ولا أشعريا كما يعرف صغار تلاميذ المدارس العتيقة، فإنه لزم أن ينتسب إلى المذهب الثالث.

ج ــ سلفية ابن رشد الجد لا يختلف حولها اثنان، ولم يدر بخلدنا أن الضعفاء يستمعون إلينا لندلل على قولنا، فاضطررنا إليه الآن.

د ــ اشتهر ابن رشد بعقيدته السلفية، واشتهر عنه الإثبات في الصفات، بل اشتهر بالغلو في الإثبات، فقال رحمه الله: “وأما من قال إن ‌الاستواء بمعنى الاستيلاء [وهم الأشاعرة] فقد أخطأ؛ لأن الاستيلاء لا يكون إلا بعد المغالبة والمقاهرة، والله يتعالى عن أن يغالبه أحد. وحمْل ‌الاستواء على العلو والارتفاع أولى ما قيل، كما يقال استوت الشمس في كبد السماء أي علت، ولا يمتنع أن يكون صفة ذات وإن لم يصح وصفه تعالى بها إلا بعد وجود العرش كما لا يوصف بأنه غير لما غايره إلا بعد وجود سواه”. ونقل في موضع أخر الخلاف في معنى الاستواء، هل هو صفة ذات أو صفة فعل، ورجح الأول فقال: “وحمل الاستواء فيما وصف الله به نفسه من استوائه على عرشه على أنها صفة ذات من العلو والارتفاع أولى ما قيل في ذلك”.

وهذا كلام لا يصدر عن أشعري. وقد رد عليه العلماء مقولته في الاستواء، ومنهم من أفردها برسالة خاصة، توجد مخطوطتها بالخزائن المغربية.

هـ ـ استدل صاحبنا على أشعرية ابن رشد بفتواه الشهيرة، وهي لا تدل على ذلك لا مطابقة ولا التزاما ولا تضمنا، ومفادها أن الرجل وإن كان سلفيا، لكنه غير متعصب، ولا يعادي الأشاعرة ولا يعتبرهم أهل ضلال، وهذا هو المنهج السليم، وهو ما تبناه كثير من الكبار والفحول، كابن العربي الحاتمي قدس الله روحه وغيره. وهو ما نتبناه ونرمي إليه بضرورة التعايش مع الآخر.

الوقفة التاسعة:

قال صاحبنا: “ولا عجب في هذا الوهم، لأنه سبق أن نسب عقيدة الشيخ أحمد بن الصديق إلى العقيدة السلفية رغم مقولاته المعارضة لها جملة وتفصيلا”.

هنا خبط صاحبنا وخلط، وادعى أن الحافظ أحمد بن الصديق رد على “العقيدة السلفية” جملة وتفصيلا، وهذا هذيان محض، ولو أعطانا ردوده على “العقيدة السلفية” لأعطيناه وزنها ذهبا، والحافظ أحمد بن الصديق معروف مشهور بنقده اللاذع والقاسي والشديد للعقيدة الأشعرية وأهلها، وإذا ثبت هذا، وثبت أنه غير ماتريدي، بقي لزاما انتسابه إلى “العقيدة السلفية”. وهو الواقع الذي لا يرتفع.

ولماذا وقع صاحبنا في الخلط والخبط؟

لأنه لا يفهم، ولا يفهم أنه لا يفهم، أن هناك فرقا بين الوهابية والسلفية، وانا أدله عليه بما لا يسمعه من غيري في هذا الباب.

أمثلة:

السلطان سيدي محمد بن عبد الله سلفي العقيدة، وهو ما يعبر عنه أحيانا ب”الحنبلي عقيدة”، ولكنه لم يكن معاديا للتصوف.

السلطان المولى سليمان سلفي العقيدة، وكان معتقدا في الصوفية، وهو الذي احتضن الشيخ أحمد التجاني.

الهروي صاحب منازل السائرين سلفي العقيدة، وصوفي حتى النخاع.

وعلى هذا المنوال كان الشيخ أحمد بن الصديق، سلفي الاعتقاد، صوفي المشرب، وكان ينتقد الوهابية انتقادا لاذعا في شق محاربتها للتصوف وما يتعلق به، ولم يكن منتقدا لها في شق العقيدة. وهذا ما لم يدركه النهيري لقصوره وتقصيره.

الوقفة العاشرة:

اشتدت حيرة النهيري فقال: “أم نرد عليه زعمه أن قول ابن العربي عن حديث صحيح بأنه مليح أن هذا يجري وفق منهج يمزج الحديث بالأدب، مع أن هذه العبارة معروفة عند المحدثين إذا أرادوا وصف حديث مسند بالصحة وعلو السند”.

دعواه أن هذا منهج المحدثين غير صحيح، فكم من حديث صحيح عالي السند لم يصفوه بالمليح، وهو الغالب والأكثر.

أما ابن العربي فكان يصف الأحاديث بطريقة أدبية، كقوله: صحيح صحيح، صحيح الصحيح، صحيح مليح، وغيرها من العبارات الإنشائية التي لا ضابط يضبطها.

نعم، لو قالها في الحديث ذي السند العالي، وكان ذلك مطردا، لقلنا بأنه صاحب منهج يحتكم إليه، ولكنه لم يخصص تلك العبارة بالأسانيد العالية، فبقي كلام النهيري لغوا يضرب به عرض الحائط.

الوقفة الحادية عشرة:

توقف عند ملاحظتي في اقتصار ابن العربي على عزو الحديث إلى صحيح مسلم دون البخاري، وبيّن أن ذلك مما يعرفه صغار الطلبة، وأن السبب في ذلك هو أن المغاربة كانوا يفضلون صحيح مسلم على البخاري.

ولكن صاحبنا مارس التدليس والبتر ليتعالم علينا، وأنى له ذلك، وما قلناه هو أن ابن العربي لم يكن دقيقا في العزو، ولم يكن ذا ذاكرة قوية، أو لم يكن ضابطا لمتون الصحيحين وغيرهما، فقلت بأنه أحيانا يعزو الحديث إلى البخاري دون مسلم رغم وجوده فيه، وأحيانا يعزوه إلى مسلم دون البخاري رغم وجوده فيه، فإذا كان في الحالة الثانية موافقا لمنهج المغاربة، فهل في الحالة الأولى كان موافقا للهنود؟

ثم أضفت ملاحظات أخرى، وقلت بأنه يعزو إلى مسلم ما ليس فيه، فهل كان صنيعه هذا وفاقا لنهج المغاربة؟أم أنه لم يكن محدثا حافظا ناقدا؟

الوقفة الثانية عشرة:

بعد أن أطال النهيري الحديث في اللغو، قال: “لست أريد في هذا المقال الإطالة في بيان مكانة الحافظ المجتهد القاضي ابن العربي …” وأحالنا على أقوال الغير.

ولأنني على اطلاع تام بكلام أولئك الأغيار، فإنني نبهت في عرضي أنه “قراءة في المتن المعافري”، وبينت أنني لن أعيش في جلباب غيري، وسأتخلى عن الوسائط، وصاحبنا يريد أن يلزمنا بما قاله فلان وعلان. وهذا الفرق بيني وبينه، فهو يقتات على الغير، وأنا أزاحمهم بالركب، وأقول قولي، ولا أكرر صدى غيري.

أنا أمام فلان يصف فلانا بالحافظ، وفي الوقت نفسه، أقف أمام نصوص تدل على أن فلانا لا يعرف التعامل مع معلقات البخاري، ولا يضبط متون البخاري ومسلم، ولا يعرف شرط البخاري، فهل أحكم عليه بنصوصه التي دونتها أنامله؟ أم أحكم عليه بقال فلان وقال علان؟

هذا منهج سقيم، ما زال النهيري وأمثال النهيري يعيشون على فتاته، وقد تجاوزناه ولله الحمد منذ أمد.

الوقفة الثالثة عشرة:

بينت في مداخلتي أن ابن العربي لم يكن واسع الرواية في علم الحديث، ولم يطلع على المصنفات الحديثية المشهورة، بله المغمورة أو الأجزاء، لكن صاحبنا رد علينا بالإنشاء، فقال بأن ابن العربي يعود إليه الفضل في إدخال كتب الحديث إلى المغرب، ولما أراد الانتقال من الإنشاء إلى التقرير العلمي، لم يذكر سوى كتابين أخذهما عنه تلاميذه.

وهنا نتساءل: هل من أدخل كتابين يعد واسع الرواية؟

وحبذا لو رجع صاحبنا إلى ثبت المؤلفات التي أدخلها، وليجرد منها عناوين الكتب الحديثية، وليذكرها لنا مشكورا، وليذكر لنا عددها، هل كانت تسعين أو سبعين أو أربعين أو ثلاثين، أو مجرد رقم صغير. هنا الصرامة العلمية البعيدة عن الإنشائيات التي كتب بها عن الباقلاني، ويريد منا أن نقتدي به فيها في شأن ابن العربي.

الوقفة الرابعة عشرة:

ذكر صاحبنا أن ابن حجر يأخذ بتقريرات ابن العربي في نقد المتون، وأورد مثالا واحدا، وعليه ملاحظات:

الأولى: أكثر ابن حجر من نقد ابن العربي في المسائل الحديثية، فارتد دليل النهيري عليه.

الثانية: أحيانا يكون نقد العسقلاني لاذعا، ومثاله: “وقد تجرأ أبو بكر بن ‌العربي ‌كعادته فقال ذكر الطبري في ذلك روايات كثيرة باطلة لا أصل لها وهو إطلاق مردود عليه”، وتنبه إلى “تجرأ”، وإلى “كعادته”، ثم تنبه في “مردود عليه”.

الثالثة: ذكر النهيري أن ابن حجر ينقل تقريرات ابن العربي في نقد المتون، وغني عن البيان أن نقد المتن ليس شرطا من شروط الحفاظ المتقنين، بل هو من مهام الفقهاء والمتكلمين أكثر، فبقي رأينا في كونه ليس من الحفاظ سالما من النقد والنقض.

الوقفة الخامسة عشرة:

من تشغيب صاحبنا قوله: يا عجبا كيف يكون من شرح الموطأ في القبس والمسالك وشرح سنن الترمذي غير محدث.

وهذا جهل محض، وتشغيب لا مجال له إلا في عقل النهيري، أما العقلاء فلم يستدلوا على كون فلان محدثا بكونه شرح كتابا من كتب الحديث، وكثير من الفقهاء شرحوا الصحيحين أو غيرهما ولم يعدّوا من الحفاظ، وها هو البوني شارح الموطأ، هل كان محدثا؟ ودونك شرح الزرقاني على الموطأ، فهل كان الزرقاني حافظا؟ أم أنه الجهل والغباوة والإنشاء؟

الوقفة السادسة عشرة:

بعدما لم يقرر شيئا، توهم أنه قرر ما يريد، فقال: “وأكتفي ها هنا بهذا القدر في بيان مكانته السامقة في علم الحديث التي قررناها من خلال شهادة الحفاظ الكبار فيه ومن خلال ما طالعناه بفضل الله في كتبه الحديثية كالعارضة والقبس والمسالك …”

وهذا عين اللغو، لأنه لم يذكر لنا ما يدل على مكنة الرجل الحديثية من خلال ما طالعه من كتبه، ولم يقتبس في منشوره فقرات من تلك الكتب، فبقي كلامه إنشائيا لا أثر له، وهذا ما يذكرني بندوة حضرتها، حيث شارك فيها الدكتور عبد الله التوراتي بعرض عنوانه: الصناعة الحديثية عند ابن العربي، فتكلم ثلث ساعة ولم يقل شيئا عن الصناعة الحديثية، وعرضه موجود في اليوتيوب لمن أراده، وها هو النهيري لم يقل شيئا، فبقي كلامنا ولله الحمد صامدا قويا، وهو ما سطرناه في مقال نشرناه منذ سنوات، بعنوان ابن العربي ومكانته في الدرس الحديثي.

الوقفة السابعة عشرة:

ادعى أن ابن العربي كان صوفيا، واستدل لذلك بكونه كان تلميذا للغزالي، فهل كل تلاميذ الغزالي صوفية؟ وهل يكفي هذا للاستدلال؟

فإذا كان استدلالا صحيحا جاز لنا أن نقول:

المنتصر الكتاني صوفي، لأنه تلميذ الحافظ أحمد بن الصديق الغماري.

محمد بوخبزة صوفي، لأنه تلميذ الحافظ أحمد بن الصديق الغماري.

وهذا لا يقوله أحمق، فهل يقوله حمزة؟

الوقفة الثامنة عشرة:

لما أحس صاحبنا بأن الصرامة العلمية لا تفيده، لجأ إلى التمييع، فقال: “كل المسلمين لهم حظ من التصوف والسلوك قلّ أو كثر”، وهكذا صار كل المسلمين صوفية، وإذا تقرر هذا، فإن مناقشة الموضوع صارت لغوا، لأن ابن العربي مسلم، فلزم أنه صوفي حسب قاعدة الهبد.

الوقفة التاسعة عشرة:

بعد أن نشر في حائطه الفايسبوكي تدوينته، أملى عليه بعض أصدقائنا ــ في إطار الاستعانة بصديق ــ إضافات، ومنها ما ذكره ابن جعفر الكتاني في السلوة، ونسي أن ابن جعفر في السلوة مجرد ناقل، ولم يكن محققا، وقد نفى العارف الفاسي تلك المنقولات بشدة.

ومن أراد أن يعرف موقف محمد بن جعفر الكتاني من “تصوف” ابن العربي، فما عليه إلا اللجوء إلى كتابه في العلم النبوي، حيث ميز بين المعافري والحاتمي، هناك كان ابن جعفر قائلا، وفي السلوة كان ناقلا، فتبينْ وتنبهْ لمناهج العلماء في تآليفهم.

تنبيه: اعتبرت ابنَ جعفر الكتاني ناقلا، واعتبره قريبه عبد الحي الكتاني سارقا، وهذا فرق بين من يحترم العلماء ومن لا يحترمهم.

هذه وقفات وإلماعات، وإشارات وتنبيهات، اقتصرت فيها على المهم، وأغفلت غيره مما يُنتَقد على صاحبنا، ومقاله يُنتقد من كل الجهات، ومن كل الأسطر، ومن كل الفقرات، ولعله أقدم عليه متسرعا لتلبية رغبة أو لمطاوعة حالة نفسية، أما العلم فالمقال عنه عري، والحمد لله القوي العلي.

 

 

 

 


شاهد أيضا