أنتلجنسيا الثقافة والفكر والأدب

طارق ليساوي يكتب:الدين و السياسة في الصين الشعبية

انتلجنسيا المغرب

تابعت تعليقات و نقاش القراء  الكرام على خلفية مقال” لماذا أرى أن قرار السلطات المغربية تسليم الناشط الإيغوري ” إدريس حسن” للصين فيه مجانبة للصواب؟”، و أجد نفسي ملزما بإتمام المقال و شرح الوضع الثقافي في الصين بشكل عام ووضع المسلمين بشكل خاص، و أرى أن محاولة  مقارنة الصين ببلد أخر  أسلوب و منهج مجانب للصواب، فالصين لها خصوصيتها الثقافية و الدينية و القومية و السياسية ، و لعل خطاب الرئيس الصيني قبل نحو أسبوع في مؤتمر الأديان الصينية المنعقد في بكين، و الذي أشار فيه إلى أن الأديان ينبغي أن تلتزم بالمبادئ الاشتراكية جعلني اهتم بشرح قضايا الثقافة و الأديان في هذا البلد الذي سيكون له تأثير مباشر على مستقبلنا و مستقبل أبنائنا…

فالصين تتميز عن سائر بلاد الدنيا قاطبة بتجانسها البشري الواضح، رغم كثرة عدد سكانها، ووجود 56 قومية بها، والفضل في ذلك يعود إلى قومية ” هان” الكبيرة، التي لعبت دورا أساسيا في تشكل القومية الصينية.. و بحسب الإحصاءات الرسمية تمثل قومية “هان ” ما يزيد عن 90 % من إجمالي السكان، أي أن هناك نحو مليار و مائة مليون نسمة من عرق واحد، وهذا يعني تجانسا بين 20 % من سكان الكوكب. وهذا التجانس لا يقتصر على العرق فحسب، بل يتعداه إلى التجانس في اللغة والتاريخ والثقافة وأسلوب التفكير، لكن ذلك  لم يحل دون احتفاظ  باقي القوميات بخصائصها الثقافية والنفسية الخاصة بها ..

فالصينيون مثل كل الشعوب الأخرى هم نتاج عمليات امتزاج حدثت على امتداد زمن طويل في الماضي، ولعل أهم نقطة في هذا الموضوع هي الحقيقة التي تقرر أن الشعب الصيني، أيا كانت أصوله في الماضي فانه يمثل اكبر مجموعة بشرية في العالم اجمع، يتسم بالوحدة والتجانس الثقافي[1].  رغم بعض الفروق بين ثقافة المناطق والتي تظهر في الحياة الاجتماعية الحديثة، وهذا طبيعي في ظل بلد تتعايش فيه 56 قومية انصهرت فيما بينها على مدى تاريخ الصين لتعطي هذا المزيج الذي يصطلح عليه “بالقومية الصينية”[2].

والجدير بالذكر، أن اغلب الأقليات القومية الصغيرة تتركز في مقاطعات أطراف الصين وتخومها بالقرب من الحدود مع البلدان المجاورة. وقد عانت هذه الأقليات عبر حقب تاريخية من “سياسات شوفينية” من قبل الغالبية “الهانية” حتى وصل بعضهم للانقراض. غير أن هذه السياسات قد تغيرت بعد 1980، حيت عملت الدولة على تشجيع  النمو السكاني لهذه الأقليات ومنحهم حرية أكبر للعيش في مناطق تركزهم، فسمح لهم بإنجاب ثلاثة أطفال بدلا من طفل واحد، كما كان محددا سابقا وفقا لتحديد النسل الذي يسري على كل القوميات[3] .

أولا- مفهوم القومية الصينية :

إن مفهوم القومية الصينية والصينيون بشكل أدق لا يشمل فقط الصينيون بالبر الصيني، بل يمتد إلى هونغ، مكاو، وتايوان، كما أنه يمتد إلى صيني ما وراء البحار، والى المناطق المجاورة [4].لكن ما هو الأساس المشترك والسمات المميزة لما يسمى بالقومية الصينية أو الوطنية الصينية؟

بالقياس إلى علم أطوار النمو، فإن الثقافة هي من صنع الإنسان، وهي نتاج لعملية التفاعل المتبادل بين الإنسان والبيئة الطبيعية، ويتولد عن مجموع الأنشطة الإبداعية للإنسان عالم الثقافة. ولذلك فالثقافة تحمل آثار للأنشطة، وهي المظهر الخارجي لقوة جوهر الإنسان[5].

وعلى هذا النحو فالثقافة تشكل عالم “ذا مغزى” ونظاما مستقلا، وتمنح للناس نظاما للقيم والمعايير وشبكة المعاني، كما تمنح لأنشطة الأفراد الحياتية التصميم الفكري، ويتعلم الإنسان المذاق الفكري من الثقافة[6].

وعليه، يمكن تعريف القومية أو الوطنية الصينية، بأنها “الخصائص والسمات النفسية الخاصة المشتركة التي يتكرر ظهورها داخل القومية، والسواد الأعظم من الشعب الصيني”. كما أنها الخصائص الشاملة للشخصية والاتجاه السيكولوجي المستقر نسبيا، ومعيار السلوك.

وبذلك يمكن القول،  أن الثقافة التقليدية والثقافة الحديثة طبيعتهما مختلفة، لكن لايعني ذلك أن تأسيس نظام تحديث الثقافة أدى إلى القضاء الكامل والإبادة الشاملة للنظام الثقافي القديم. لهذا فعلى الرغم من التناقض والتصادم الظاهرين بين نمطين ثقافيين متباينين في الصين، إلا أن بينهما روابط داخلية متصلة، وتظهر هذه الروابط في جملة خصائص مشتركة توجد في التكوين الأصلي للثقافة وتشكل الصورة البدائية لحياة الناس، وتحدد لهم الفكر الثقافي الرئيسي[7]. ومع تطور التاريخ قد يحدث تغيير في نفس الثقافة، ويثري مضمونها تدريجيا، لكن الخصائص والسمات الخاصة والصور البدائية، تترسخ في أعماق الهيكل النفسي  للأمة من خلال عملية التوارث بين الأجيال. ويتجسد الفكر الصيني في بعض العوامل الثقافية الخاصة التي لازالت تشكل الهيكل القومي للثقافة الصينية[8]. ونذكر منها:

الصين وتاريخ الأمة الصينية

الإبداعات المادية والفكرية

المزاج الاجتماعي والعادات والتقاليد

اللغة القومية

البيئة الطبيعية

ومن بين هذه العوامل المختلفة تحتل اللغة الصينية المكتوبة، مكانة مرموقة في البنيان الثقافي الصيني، فمنذ القدم إلى الوقت الحاضر، تمثل اللغة الصينية أهم وسيلة للتفاهم المتداول بين الصينيين، وعلامة أساسية للسيكولوجية الثقافية الصينية.

ومن الناحية الزمنية، ربطت اللغة الصينية بين الصينيين القدامى والصينيين المعاصرين، وبالقياس إلى الزمن المشترك ربطت لغة الرموز الصينية بين الصينيين بالبر الصيني ومئات الملايين من الصينيين بخارج البر الرئيسي الصيني، ووثقت الأواصر الفكرية والثقافية بالوطن الأم[9].

ثانيا- الصين عالم روحاني..اكثر تعقيدا

الصين دولة علمانية  تعترف بحرية الاعتقاد الديني لكل مواطني جمهورية الصين،و لا يجوز لأي جهاز من أجهزة الدولة، أوتنظيم عام، أو فرد، إجبار المواطنين على الإيمان أو عدم الإيمان بأي دين. كما لا يجوز التمييز ضد المواطنين بسبب معتقداتهم الدينية[10] .

و نتيجة لذلك، فالصين دولة متعددة الأديان، و من الأديان الرئيسية في الصين نذكر الديانات غير السماوية  كالكنفوشيوسية، و البوذية والطاوية- تجاوزا سميتها بالأديان لأنه في الصين يتم وصفها بذلك، لكن البعض ينفي عليها هذه الصفة – ،  والديانات السماوية كالإسلام  والمسيحية وغيرها.

غير أن التوجه الصيني إزاء الحياة، تشكل نتيجة للمزج بين ثلاث فلسفات أساسية: وهي الكونفوشية والطاوية، ثم البوذية. وأكدت هذه الفلسفات على عقيدة التناغم الاجتماعي الذي يمثل جوهر التقاليد الصينية، كما عملت هذه الفلسفات الثلاث  على رسم ملامح العالم الصيني[11]. و دراسة هذه الأفكار يساعد على فهم الخصوصية الثقافية للصين، وفك الشفرة الثقافية التي تشكل حاجزا أمام كل أجنبي تطأ قدماه أرض الصين..

فالحضارة الصينية تنظر إلى الكون باعتباره عالما عضويا فيه قوتان أساسيتان (هما اليانغ والين) وخمس صور هي (المعدن، الخشب، الماء النار والتراب)، تتحول باستمرار من دورات متكررة أو  ما يعرف ب “هسنغ” أي المراحل الخمس. وليس في هذا العالم معترك الوجود أو رب علوي، أو منزلة للقانون. لكن هناك افتراض بأن (التاو) تسير وفقها الأشياء كلها، لكن تفسير أنماط الوجود لايكون في مجموعة من القوانين أو العمليات الميكانيكية، بل في بنية الوحدة العضوية للكيان الكلي[12].

وقد فسر المفكرون الصينيون ما يحدث من خلل في النظام الاجتماعي في تغيير الأنماط السائدة في العالم السماوي، وكان الوازع هو الحرص على جعل النظام الاجتماعي يتواءم مع النظام الطبيعي، فإن تحقق ذلك، صلح المجتمع وعاد تفويض الحاكم القادم من السماء، ومكنه من تحقيق أهدافه السياسية والاجتماعية[13]. وتنهار الوحدة العضوية بين العالم الطبيعي والعالم الاجتماعي إذا ما أساء الإمبراطور التصرف، فمختلف الكوارث الطبيعية سببها سوء تصرف الإمبراطور. ومن تمت فمن واجبه أن يعدل سلوكه ليعود التفويض السماوي له وينعم الشعب والبلاد بالأمن والهدوء والاستقرار.

و من المهم التأكيد على أن التحولات التي شهدتها الصين بعد 1978، لم تكن وليدة –فحسب- لسياسة الإصلاح والانفتاح التي تم تبنيها في الدورة الثالثة الموسعة للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني[14]. بل إنها نتاج لتراكم تاريخي بدأ: أولا، بإدراك الأمة الصينية لحقيقة تخلفها وتأخرها عن روح العصر[15]. وثانيا، بالانتقال إلى تشخيص مكامن الضعف والوهن التي استوطنت جسم الأمة وجعلته ملاذا لهيمنة المحتل الأجنبي. فتم الاتفاق بين جميع الأطراف على حقيقة ضعف ووهن الأمة الصينية، لكن تم الاختلاف والتناحر حول منهجية العلاج[16].

والجدير بالذكر، أن الصين منذ أن أطلقت حرية العبادة سنة 1980، بعدما كان النظام الماوي قد عمل على قمع وكبت هذه الحريات، بدأت الممارسة الدينية تنتشر أكثر في صفوف المواطنين الصينيين باختلاف انتماءاتهم الدينية. كما أن السلطات الصينية أدركت بعد 1980 أهمية التعامل مع الدين والذي ظل لوقت طويل ورقة مهملة في السياسة الخارجية للصين..

فالصين اليوم تحاول أن تجعل من الأقليات الإسلامية، جسرا لتقارب مع جمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية، وباقي البلدان الإسلامية بما في ذلك العالم العربي. كما أن الصين تحاول توظيف الأقلية المسيحية لتقوية روابطها بالفاتيكان، بعد أن كانت هذه العلاقات قد قطعت سنة 1957. هذا إلى جانب توظيفها للديانات الصينية لتقوية روابطها الثقافية والسياسية بالبلدان المنتمية لفلك العالم الصيني، كما أن الصينيون أدركوا- منذ زمن طويل- أهمية الديانات الصينية في ترسيخ وحدة البلاد، فهم  ينظرون إلى حضارتهم بوصفها حضارة تقوم في جوهرها على أساس الوحدة السياسية،  لذلك سنحاول في القادم من الأيام ان شاء الله تعالى، إعطاء لمحة تاريخية عن نشوء الصين الإمبراطورية، و عن الأديان وتطورها، على إعتبار أن صين اليوم هي نتاج لتفاعل الحاضر الماضي ، و على سبيل المثال  التنظيم والتقسيم  الإداري الذي تم وضعه في العهد الإمبراطوري، شكل أرضية التقسيم الإداري الذي طوره النظام الشيوعي بعد 1949و استمر إلى حدود اليوم…. والله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون…

[1] – Jacques Gernet, ” A History of Chinese  Civillization”, Cambridge , Cambridge University Press, second edition 1996. 6-27.

[2] – Zhixiong, Wang « Chine, la démocratie ou le chaos ? », Editions Bleu de Chine. Paris. 1997.pp.94-95.

[3] -“Population And Family Planning Law of the People’s Republic of China”, China Population Publishing House Order of the President of the People’s – Republic of China, No.63, September 1, 2002.

[4] -John King Fairbank, ”The Chiense World Order. Tradition al China’s Foreign Relation”, Cambridge, Havard University Press,1968, pp. 2-etc.

[5] -UNESCO, ”Changement et Continuité, Principes et Instruments pour l’approche Culturelle du Développement “,  Culturelle et Développement, Edition UNESCO, 1999.pp.31-33.

[6] – ووبن، “الصينيون المعاصرون، التقدم نحو المستقبل انطلاقا من الماضي”، ترجمة عبد العزيز حمدي، سلسلة عالم المعرفة، عدد 210 يونيو 1996 ، الجزء الأول. ص. 57-58.

[7] – Mary Doglas, ” Implicit Meanings. Essays in Anthropology”, London, Routledge and Kegan Paul, 1975, pp.XI-XII.

[8] – ووبن، “الصينيون المعاصرون، التقدم نحو المستقبل انطلاقا من الماضي”،ج.1 ، م.س. ص.59-60.

[9] – نفس المصدر.ص.64.

[10]– Constitution of the People’s Republic of China Adopted at the Fifth Session of the Fifth National People’s Congress and promulgated for implementation by the Announcement of the National People’s Congress on December 4, 1982.(Art 36).

[11] -See: For example: Lai, Karyn «Learning from Chinese philosophies : ethics of interdependent and contextualised self », Aldershot : Ashgate, cop. 2006, Gernet, Jacques «Les aspects économiques du bouddhisme dans la société chinoise du Ve au Xe siècle », Paris : Ecole française d’Extrême-Orient, 1956 .

[12] – Stéphane Balame. ” La Chine”, Le cavalier Bleu Editions, 2éme éditions, Paris. 2008. pp.65-72.

[13] -Ibid. pp.21-24.

[14] – هذه الجلسة سجلت انتصارا جارفا لتيار الإصلاح والانفتاح وانكسارا فادحا للجناح المحافظ بقيادة “عصابة الأربعSì rén bāng”. و عصابة الأربعة” “Gang of Four هو اسم أطلق على مجموعة سياسية يسارية مؤلفة من أربعة مسؤولين في الحزب الشيوعي الصيني. برزوا إلى الأضواء أثناء الثورة الثقافية (1966 – 1967) واتهموا بارتكاب سلسلة من جرائم الخيانة. والأعضاء الأربعة هم “Jiang Qing “وهي زوجة “ماو تسي تونغ” الأخيرة وكانت عضوا قياديا في الحزب، والمقربين لها هم :” Zhang Chunqiao ” عضو اللجنة الدائمة للمكتب السياسي للحزب الشيوعي ، و ” Yao Wenyuan ” عضو اللجنة المركزية للحزب  إضافة إلى “Wang Hongwen” نائب رئيس الحزب. وسيطرت عصابة الأربعة بشكل فعال على أجهزة السلطة في الحزب الشيوعي الصيني خلال المراحل الأخيرة من الثورة الثقافية. وقد تم فصل الأربعة نهائيا من الحزب سنة 1977، وتحويلهم للمحاكمة سنة 1980.

[15] – Ph.A.Kuhin. “Ideas behind china’s Modern State”, Harvard Journal of Asiatic Studiers,Vol 55-2,1995. pp. 294-296

[16] – R. Keith Schoppa, The Columbia Guide to Modern Chinese History, New York, Columbia University Press,2000,pp.81-87.

 


شاهد أيضا