أنتلجنسيا الثقافة والفكر والأدب

هل ستكون أفريقيا ساحة حرب قادمة بين أبرز مشغلي الجيل الخامس للإنترنت؟

انتلجنسيا المغرب 

تتنازع اليوم عدة شركات عملاقة لتكنولوجيا الجيل الخامس للإنترنت في مناطق جديدة في العالم لتزويد المستخدمين بخدمة إنترنت فائقة السرعة، سيكون تأثيرها واضحا على حياتنا اليومية على المدى القريب والمتوسط تزامنا مع احتلال الأجهزة الذكية حيزا كبيرا من حياتنا اليومية. لا تبدو القارة الأفريقية خارج حسابات هذه الشركات العملاقة التي استطعنا الحديث مع أبرز ممثليها في معرض جيتكس، الذي تحتضنه دبي من السابع عشر إلى الواحد والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول الجاري.

في معرض جيتكس الذي تدور فعالياته حاليا في مدينة دبي، يظهر جليا الاهتمام الواسع بتكنولوجيا الجيل الخامس للإنترنت، إذ يحرص أبرز صناع التكنولوجيا الفائقة على التأكيد على أن ابتكاراتهم وآخر صيحات منتجاتهم تدعم أو ستدعم هذه التقنية التي ستحملنا أكثر مما نتصور إلى أبعاد أخرى من سرعة تدفق الإنترنت.

خلال تجوالنا في هذا المعرض الشرق الأوسطي البارز، اعترضتنا تصميمات ونماذج مصغرة لمشاريع ضخمة، يؤكد القائمون على أنها تحمل الآمال في تصفح الإنترنت قريبا بسرعة عالية جدا.

عارضون يمثلون أهم شركات الاستثمار وصناع التكنولوجيا في العالم التقوا في دبي بحثا عن أسواق جديدة وعن شركاء بمقدورهم اليوم المساعدة في إدخال هذه التكنولوجيا الثورية إلى مناطق بعينها قبل غيرها وكسب أسواق محددة.

تكنولوجيا الجيل الخامس التي بدأت تُسوّق اليوم في عدة دول في أوروبا وأمريكا الشمالية ودول أسيوية متعطشة للمزيد والمزيد من سرعة التدفق، لجلب مستخدمين جدد لا يتوقف عددهم عن الارتفاع.

إلا أن الصراع القادم، بحسب هؤلاء، حول الأسواق، ستدور رحاه في قارة أخرى حبلى بالمشاريع والأحلام، هي أفريقيا.

أبرز صناع تكنولوجيا الجيل الخامس بدؤوا اليوم أصلا مرحلة التوسع في هذه السوق، التي على الرغم من وزنها الديموغرافي الهائل، تعتبر سوقا بكرا، حيث المنافسة مفتوحة أمام جميع الفاعلين.

هاواوي: مستعدون لتزويد أفريقيا بالجيل الخامس وننتظر فقط تراخيص الحكومات الأفريقية

التقينا في صالون دبي جيتكس المتحدث باسم العملاق الصيني هاواوي، الذي وجد نفسه في قلب حرب مفتوحة بين الصين والولايات المتحدة، تأججت خلال فترة حكم دونالد ترامب، وتركت معها أوروبا مسافة، أشبه بمسافة التباعد الاجتماعي، على خلفية علاقة مزعومة بين الشركة والحكومة الصينية. ويبدو من البديهي إذن أن تولي هذه الشركة العملاقة وجهتها صوب وجهات أخرى، من بينها وجهة أفريقيا الشابة والواعدة. وذلك، في ظل انتشار محتشم في هذه القارة لتقنية الجيل الخامس من الإنترنت، والتي تقتصر اليوم على عدد محدود للغاية من الدول التي استعدت اليوم لاستقبال هذا الجيل الجديد من الإنترنت.

نائب رئيس هاواواي في شمال أفريقيا ومنطقة المتوسط عدنان بن حليمة، صرح لفرانس24 بأنه يعتقد أن الجيل الخامس للإنترنت في السوق الأفريقية لن يكون سوى استمرار لتكنولوجيا الجيل الرابع الموجودة أصلا والتي هي اليوم قيد الاستغلال، “الفايف جي (تكنولوجيا الجيل الخامس) هي استمرار للتكنولوجيا القائمة أصلا التي أنشأتها هاواواي في هذه الدول، ومواصلة لخدمات الجيل الرابع الأولى للشركة الصينية في هذه القارة، حيث سنعمل على استغلال البنية التحتية للجيل الرابع في البداية على الأقل”.

جاهزية المنطقة المغاربية للتعاطي مع الجيل الخامس من الإنترنت؟ 

لكن المهم في هذه المرحلة اليوم هنا، متى ستمنح الحكومات الأفريقية الشركات العملاقة المشغلة للجيل الخامس من الإنترنت تراخيص تمكنها من إنشاء شبكات استغلال لهذا الجيل الجديد؟

الدول الأفريقية بما فيها دول شمال أفريقيا اليوم لم تقم بأي خطوة ملموسة في هذه الاتجاه.

نظريا نتحدث اليوم عن أواخر عام 2022 وبداية 2023 لتمكين دول في شمال أفريقيا كالمغرب وتونس وبدرجة أقل مصر مثلا. شريطة توفر معطى آخر محدد لإنجاح هذه الخدمة والمتعلق بتوفير أجهزة هواتف ملائمة لاستقبال شبكة الجيل الخامس.

نتحدث هنا عن الإمكانيات المادية، فما فائدة تقوية إشارة وتسريع مستوى الاتصال بالإنترنت دون قدرة استهلاكية لدعم هذه التكنولوجيا. اليوم أسعار هذه الهواتف والأجهزة الذكية والمتصلة مرتفعة خصوصا أنها حديثة العهد. وتزامنا مع الانخفاض التدريجي لأسعار هذه الأجهزة الذكية والمتوقع في إطار حتمية تكنولوجية، قد تتوفر مستقبلا ظروف ملائمة أكثر لتوسيع انتشارها في هذه القارة، حيث أشغال التهيئة في عدد من دولها مبرمجة وتنفيذها هو مسألة وقت لا غير.

نوكيا: بدأنا أصلا في وضع استراتيجية انتشار في أفريقيا

التقينا كذلك في صالون جيتكس خواكيم ويلمات، وهو مدير التسويق لدى المصنّع الفنلندي نوكيا، والذي يقول إن شركته بدأت أعمال تنصيب الجيل الخامس من الإنترنت في القارة الشابة التي تعتبر مدنها من أكثر مدن العالم سرعة في النمو.

“أنشأت نوكيا بالتعاون مع المشغل الطوغولي ’طوغوكوم‘ أول شبكة من الجيل الخامس في غرب أفريقيا منذ حوالى سنة تقريبا، ونشترك مع فوداكوم في مشاريع مماثلة بدأناها خصوصا في جنوب أفريقيا لتوسيع شبكة الجيل الخامس من الإنترنت ، وكذلك مع ’سافاري كوم‘ في غرب أفريقيا”.

وأضاف “المفاوضات ذهبت بعيدا مع حكومات دول شمال أفريقيا لتمكين المشغلين من رخص استغلال ’النطاق الترددي‘ الضروري، لإنشاء تجهيزات الإنترنت بتدفق فائق في إطار الجيل الخامس من الإنترنت”.

وأشار ويلمات إلى أنه “دون إغفال التفاوت بين بعض الدول من حيث التسهيلات الإدارية والهيكلية، نحن بصدد إنهاء التفاصيل الأخيرة لدفع هذه المشاريع قدما والتي تحاول نوكيا المتواجدة في هذه القارة منذ أكثر من 150 عاما تجسيدها، ونعمل ’بضراوة‘ لتمكين أفريقيا من هذه التكنولوجيا”.

وبلباقة، تفادى خواكيم ويلمات الحديث عن مواجهة في الساحة الأفريقية بين أبرز مشغلي “الفايف جي” هاواواي ونوكيا وإريكسون على الظفر بنصيب الأسد في هذه السوق، وفضل الحديث عن”ديناميكية تنافسية” بينهم، في سوق متحركة بشكل هائل.

كما أكد ويلمات أن تقنية الجيل الخامس قد تتباطأ بسبب تأخر انتشار الهواتف الذكية من الجيل الخامس في هذه القارة، إلا أن مزاياها في أفريقيا وخصوصا في مجال الأعمال والمؤسسات سيكون لديها دفع كبير وفاعلية للاقتصادات المحلية.

إريكسون: الأولوية اليوم هي تسريع الانتقال الرقمي في أفريقيا للنهوض بالاقتصادات المحلية

التقينا في معرض جيتكس فيدا كبي، رئيسة قسم التسويق والاتصال لدى المصنّع السويدي أريكسون والمكلفة بشؤون أفريقيا، التي تعتقد أن “كل شركات تصنيع تكنولوجيا الجيل الخامس يجدر بها أن تعمل سويا، وليس في إطار تنافسي بالضرورة، على الاستجابة لحاجيات هذه القارة من تكنولوجيا الإنترنت، ومواكبة نمو القارة أساسا.

الواقعية تفرض الإقرار بأن بعض المجالات بعينها ستستطيع الاستفادة من الجيل الخامس من الإنترنت في أفريقيا أكثر من غيرها، مع وجوب ملاحظة تفاوت يبين حاجيات وإمكانيات كل دولة أفريقية، هناك دول لا تزال تستخدم اليوم الجيل الثاني والثالث في حين تستخدم جنوب أفريقيا ورواندا اليوم بشكل محكم الجيل الرابع، وتتهيأ دون مشاكل للجيل الخامس من الاتصالات.

وفي هذه المستوى سيكون استخدام “الفايف جي” في أفريقيا استخداما صناعيا أساسا وبين المؤسسات، ولن يكون موجها بشكل رئيسي للمواطنين العادين لغايات ترفيهية مثلا. الأهم اليوم في هذه القارة بحسب المسؤولة لدى إريكسون هو تسريع مرحلة “الانتقال الرقمي” في هذه القارة، وهو ما سيدعم الاقتصاد المحلي وخلق فرص عمل جديدة.

إريكسون ترمي اليوم بثقلها في السوق الأفريقية، ووضعت في هذا الاتجاه استراتيجية أسمتها “إكسيليرايت أفريكا”، أي “تسريع أفريقيا”، وهي ستلعب قطعا دورا محوريا في نشر هذه التكنولوجيا حالما أظهرت هذه القارة استعدادها لذلك، ولن يكون ذلك في غضون أشهر في كل الأحوال.

مؤشرات عدة توحى بأن أغلب عمالقة الجيل الخامس للإنترنت تعمل اليوم على قدم وساق لكسب أسواق جديدة في أفريقيا في مجال نشر شبكاتها سريعة التدفق، وعلى الرغم من عدم الاستجابة السريعة من حكومات هذه الدول في ما يتعلق بتراخيص استغلال وتنصيب هذه التكنولوجيا، مما قد يؤخر نوعا ما المواجهة في هذه السوق دون أن يلغيها.

وبالرغم من أن هذه التكنولوجيا باهظة التكلفة على الحكومات والأشخاص في القارة السمراء، إلا أن انتشارها فيها قد يساهم في عصرنة الاقتصاد، وخلق فرص عمل جديدة في عالم بات “متصلا”، بالمفهوم الرقمي للكلمة، أكثر من أي وقت مضى.

 

 


شاهد أيضا