أنتلجنسيا الثقافة والفكر والأدب

دور التعليم الديني في دحض الأفكار المتطرفة ( مادة التربية الإسلامية نموذجا )الحلقة__الثانية

انتلجنسيا المغرب 

ارتفعت في السنوات الأخيرة أصوات تنادي بمحاصرة مادة التربية الإسلامية، وجعلها من المواد الثانوية ووضعها على هامش الأولويات، بل هناك من ذهب أبعد من ذلك عندما نادى بحذف كل النصوص الدينية من المقررات المدرسية، سواء كانت نصوص الوحي أو آراء الفقهاء والعلماء من أمثال ابن تيمية وبن القيم وغيرهم كثير..
وفي الآونة الأخيرة حاولت وزارة التربية جس نبض الشارع، حيث قامت بإلغاء الامتاحانت المتعلقة بمادة التربية الإسلامية، وبعد الضجة التي أثيرت حول الموضوع، سارعت الوزارة فنسخت قرارها الأول بقرارها الثاني، وأبقت على هذه المادة كما كان ، ورغم ذلك فإن التربية الإسلامية لا زالت في أسفل سلم الترتيب، فهمي مادة هامشية لا يلتفت لها رغم أهميتها في مناهج التعليم المقررة، ودورها في تربية الناشئة وتحصينهم من الأفكار المتطرفة، حتى بلغوا من تهميشها أن جعلوا لها أضعف معامل مقارنة مع باقي المواد الأخرى !
أصحاب هذه الصيحات برروا موقفهم ، بكون مادة التربية الإسلامية والثقافة الدينية بشكل عام ، أصبحت تكرس لفكر التطرف، وتغذي عقول الناشئة بأفكار عنصرية وتكفيرية متطرفة، بقصد أو بغير قصد !!
مما سيجعل من الناشئة مستقبلا قنابل موقوتة قد تنفجر في أي لحظة، وبالتالي يجب نسف التربية الإسلامية ومحوها من الوجود، والبديل ..!
البديل هو كتب الفلسفة والفن والموسيقى والفنون التشكيلية، وهذا جميل ونشجعه ونطالب نحن به أيضا، ولكن هنا أريد أن أسجل نقاط مهمة يجب التنبيه لها :
أولا : تدريس مادة الفلسفة، أمر مهم وضروري جدا، فهي أم العلوم ويجب أن نعرفها ونتعلمها وندرسها ونستفيد منها، بل ينبغي أن ننهل من الفلسفة ونصقلها ونهذبها بالفلسفة الإسلامية التي أصلها علماؤنا الأقدمون.
ثانيا : الفنون الجميلة،لا يمكن تهميشها أو إزاحتها من المناهج الدراسية، فالناشئة تحتاج للأدب الراقي، والموسيقى الهادفة التي تحمل رسائل تربوية وتوعوية وهنا أنبه أنه لا ينبغي الخلط بين الغناء والموسيقى ! وحتى الفقهاء لهم آراء متباينة حول مسألة تحريم الغناء ، فهي تدور بين الجواز والكراهة والتحريم والإباحة..وكل له أدلته ، ولست هنا في معرض مناقشة هذا الموضوع .
لكن ما أريد قوله أن كل ممنوع مرغوب، فإذا تم حذف مادة التربية الإسلامية، وتجفيف منابع الثقافة الإسلامية ، فكأننا نقدم هدية على طبق من ذهب للجماعات المتطرفة، فنحن بذلك نترك الفراغ للناشئة، وحين تترك هذه الثغرة مشرعة، يأتي بعد ذلك من يتسلل عبرها ليملأ الفراغ ويحشو عقول أبنائنا بأفكار مسمومة قاتلة ! وقد قيل : إذا أردت نشر فكر ما، حاربه بشتى السبل! والأفكار لا يجب أن تحارب بمنطق أمني صرف، فالفكرة تحارب بالفكرة، والحجة تقارع بالحجة ، والبرهان بالبرهان، والدليل بالدليل.
إن تجفيف منابع الثقافة الإسلامية وحشو الناشئة بالفلسفة وحدها، سيخلق لنا جيلا مشوها يحمل عاهات فكرية وثقافية تجعل منه يتنكر لتاريخه وهويته وأصوله.
وفي تقديري أن هذا المسلك قد يحشرنا في الزاوية الضيفة،ويضعنا في موقف المنهزم الذي يحاول مواجهة العاصفة، وهي هزيمة فكرية أدبية منهجية، ذلك لأننا لم نستطع الإتيان بخطاب ديني عقلاني رصين، يتمسك بالثوابت ويتكيف مع المتغيرات، وهكذا نكون أعطينا للخطاب المتطرف مصداقية دون أن نشعر أو نقصد.
ثالثا : التربية الإسلامية التي تدرس للناشئة اليوم لا علا قة لها لا من قريب ولا من بعيد بأدبيات الخطاب الجهادي، فمعظم مواضيع مادة التربية الإسلامية وفقراتها، لا علاقة لها بطروحات الفكر الجهادي، إذ يغلب عليها الطابع القيمي والأخلاقي أكثر، فموضوع بر الوالدين مثلا، أو حسن الجوار، أو إكرام الضيف، أو إماطة الأذى عن الطريق، أو ما يتعلق بآداب الطعام وآداب الطهارة والنوم .. كلها مواضيع بعيدة عن الأدبيات التي يؤسس عليها الخطاب الجهادي أفكاره وأدبياته ..!
رابعا : الخطاب الجهادي له مميزات وخصائص تميزه عن أي خطاب آخر، وهذه الخصائص هي أهم عوامل الجذب والاستقطاب التي يرتكز عليها ترويج أفكاره وأدبياته، وهي أيضا خصائص تراهن عليها الجماعات المتطرفة لتمرير رسائلها وأدبياتها للمتلقي….


شاهد أيضا