أنتلجنسيا الثقافة والفكر والأدب

نهاية الواقعية المُهادِنة أسلوبًا في التدافع السياسي: (ملاحظات من أجل الإنقاذ)

انتلجنسيا المغرب 

مقدمة نظرية في أساليب التدافع:

تنحصر أساليب العمل السياسي في مدرستين كبيرتين:

المدرسة السياسية الواقعية والمدرسة السياسية الرومانسية.

المدرسة الواقعية هي تلك المدرسة التي تدخل في نشاطها السياسي الواقع الموضوعي للفاعلين السياسيين من حيث القوة والضعف في ميزان التدافع. ومن حيث التحالفات الممكنة. وعلى أساس قوتك في ميزان التدافع تضع خطتك في العمل السياسي.خطة واقعية.

اما المدرسة الرومانسية الثورية فلا تعطي اعتبارا للواقع الموضوعي ولا لميزان القوة في التدافع. فيكون نضالها في الغالب مبني على أحلام رومانسية كما هو حال العدل والإحسان وبقايا اليسار الماركسي المغربي وبض التيارات الأمازيغية المتطرفة.

لكن المدرسة الواقعية نفسها تنقسم إلى ثلاث مدارس كبرى:

مدرسة واقعية مناضلة ومدرسة واقيعة مهادنة ومدرسة واقعية مفلسة.

الواقعية المناضلة تدخل في حسابها السياسي الواقع الموضوعي وميزان القوة.

لكن تعمل على تغييره بتبني أساليب الضغط الجماهيري كمنهج استراتيجي للتغير.

أما الواقية المهادنة فهي أيضا تدخل ميزان القوة الموضوعي في حسابها السياسي.

لكن تعمل على تغييره بتبني أسلوب التوافقات في التغيير بدون ضغوطات جماهيرية في الغالب.

وقد تتحول الواقعية المناضلة إلى تدافع مفلس.وقد تتحول الواقعية المهادنة إلى تدافع سياسي مفلس يتنج حصيلة سياسية سالبة في المجتمع والدولة. وتنتهي بالانغماس السلبي في الواقع الموضوعي. أو الانكماش والعزلة عن الواقع الموضوعي.وبالتأكيد الرومانسية الثورية أسلوب مفلس في جل الاوضاع.

فالواقعية المناضلة المفضية إلى العقم السياسي في الوطن تتحول إلى واقعية مفلسة.ونفس الشيئ بالنسبة للواقعية المهادنة.فإذا أصبحت التوافقات غير مثمرة سياسيا تحولت إلى واقعية مفلسة.

ومن هنا أهمية الوعي السياسي بجدلية الواقعية المناضلة والواقعية المهادنة.والنباهة السياسية للحظات الانتقال التاريخي للحزب السياسي المصلح من إحداهما إلى أخرى. عدم الوعي بلحظات التحول والانتباه لها قد يحدث كوارث سياسية للأوطان وأحزابها الوطنية الجادة.

1.الواقعية المناضلة في جيلين  أثمرت هامش ديمقراطي معتبر.

فالواقعية المناضلة في جيلها الأول (1956م/1996م)أثمرت هامش ديمقراطي معتبر .باعتماد أساليب الضغط الجماهيري.

في جيلها الثاني مع الربيع الديمقراطي وحركة 20فبراير  ضاعفت الهامش الديمقراطي مرتين ويزيد(2011م).

فسنة واحدة من أساليب الضغط الجماهيري في الجيل الثاني عادلت 40 سنة في الجيل الأول. وهذا هو مكر التاريخ.الذي على القيادة السياسية المبصرة الانتباه إليه في التدافع على المدى القصير والمتوسط والبعيد المدى.

2.تزامن ميلاد حزب العدالة والتنمية مع ميلاد( الواقعية المهادنة).

بعد دستور 1996م و مجيئ حكومة عبد الرحمان اليوسفي 1997م تخلت  الحركة النضالية اليسارية وعمودها الفقري الحركة الاتحادية عن الواقعية السياسية المناضلة لصالح الواقعية المهادنة. فتخلت عن  رفضها اللاءات الثلاث: لا لصندوق النقد الدولي.لا للتعامل مع الأحزاب الإدارية المخزنية. لا للخوصصة.فأصبحت نعم ثلاث. و دخلنا عصر التوافقات بين العقل السياسي الرسمي والعقل السياسي المعارض بعد 40 سنة من الصراع.

ولقد  تبنى حزب العدالة والتنمية الواقعية المهادنة كأسلوب استراتيجي في التدافع السياسي تجاه سلطة الدولة.وذلك لعوامل ثلاث: أولها دخول أحزاب المعارضة جيل الواقعية المهادنة. وثانيها الوعاء الأيديولوجي والسياسي للإسلاميين. ثالثها الوعاء التنظيمي والسياسي للحزب المضيف:(الحركة  الشعبية الدستورية).

و مازات الواقعية المهادنة كأسلوب تدافع عند الكذب هي النهج حتى الآن. رغم أن الواقع تجاوزها منذ إقالة عبد الإله بنكيران كرئيس للحكومة سنة 2016م. هذه السنة في تقديري كانت لحظة الانتقال من الواقعية المهادنة إلى الواقعية المناضلة.أي الانتقال إلى موقع المعارضة.. وكانت نتائجه السياسية ستكون هائلة لأنها معارضة من موقع القوة السياسية الهائلة. نظرا لعدد المقاعد والمجالس البلدية التي حازها الحزب في الانتخابات. في تقديري من هنا بدأ الخطأ الاستراتيجي الذي من نتائجه المرة هذا الانكسار الكبير للحزب اليوم.

طبعا كان قرارا صعبا اتخاذه لهيمنة الواقعية السياسية المهادنة على مطلق قيادة الحزب والحركة. وقطاع لابأس به عند القواعد. فرسوخ أيديولوجية المهادنة تعمي الأبصار وتفل العزائم.

لكن مع ذلك علينا حساب فائدة هذا الأسلوب في النضال المهادن في وقته..فما هي مكاسب الواقعية المهادنة عند حزب العدالة والتنمية على الذات والوطن. في خصومة الحزب للمعارضة اليسارية في البداية وعدم الاصطدام مع النظام أعطى فرصة للتوسع التنظيمي والسياسي البطيء للحزب بدون معيقات من الدولة ما دام ذلك غير ضار بالنظام سياسيا.

كما أن  اختيار الحزب والحركة  الطريق الثالث إبان  حركة الربيع الديمقراطي المغربي( الإصلاح في ظل الاستقرار) أثمر إصلاحا سياسيا ودستوريا معتبرا بدون مجازر وانكسارات سياسية ضخمة كما حدث في المشرق العربي وليبيا .فهذا ثمرة في غاية الأهمية أنجزتها الواقعية السياسية المهادنة عند الحزب والحركة معا يجب تسجيلها بفخر.

لكن الصعود السياسي الصاروخي للحزب. أدى إلى هلع سياسي رسمي مبطن أثناء الرياح العاتية  للربيع الديمقراطي. ثم أصبح عداء معلنا من طرف الطبقة السياسية المغربية بكاملها تقريبا عند توقف هبوب رياح الربيع الديمقراطي وتوقفها المؤقت اليوم.

هذه ثمرات أسلوب التدافع السياسي المبني على الواقعية المهادنة إلى حدود 2016م.

نعيد التأكيد أن مصدر الصعود الصاروخي لمركب الحزب بعد 2011م هي  رياح الربيع الديمقراطي والربيع الإسلامي العاتية في المنطقة العربية. فحزب العدالة والتنمية كان مركبا تدفعه الرياح السياسية بدون محرك ذاتي.

3.أهمية بناء المحرك الذاتي لمركب الحزب اليوم لإخراجه من غرفة الإنعاش 

( فريح الديمقراطية وريح الإسلام) كوجدان جمعي في كل المنطقة العربية كانت هي قوة الدفع للحزب إلى غاية 2016م. هذا العكاز انكسر اليوم بعد  توقف هبوب هذه الرياح بعد انكسار الربيع الديمقراطي.

وهذا يفرض على الحزب بناء محركة الذاتي.

هو رأسا  الانتقال من التدافع بأسلوب الواقعية المهادنة إلى التدافع بأسلوب الواقعية المناضلة. بالواقعية المهادنة أصبحت أسلوب تدافع مفلس. ونتائجها بارزة اليوم في تآكل المجتمع الحزبي بالمغرب لصالح المجتمع المدني الذي أصبح الحامل لراية الاحتجاج السياسي. بعد أن كان المجتمع الحزبي هو الحامل لها قبل الربيع خلال النصف الثاني من القرن 20. ( مثل حراك الريف.مقاطعة المنتجات وغيرها).

بل إن دخول الحزب بعد الانكسار الكبير موقع المعارضة حتمي. والاستمرار في تبني الواقعية المهادنة القائم على أسلوب التوافقات مع النظام والطبقة السياسية شبه مستحيل. والاستمرار فيه في نظري انتحار للحزب في العشرية المقبلة. فالحزب مرغم على تبني الواقعية المناضلة التي تعتمد أساليب الضغط الجماهيري حسب ما تسمح به القوانين. هذه هي الطريق لإخراج الحزب من غرفة الإنعاش خلال العشرية المقبلة.

ومن ملامح الواقعية المناضلة اليوم الاستثمار السياسي المبصر والمقدام في هذه الظاهرة السياسية الجديدة.  ( ظاهرة صعود المجتمع المدني). وهي بالمناسبة ظاهرة عالمية أعطت زعامات لا انتماء حزبي لها. كما هو الشأن في تونس وأكرانيا وماكرون في فرنسا وغيرها.

 هذا الاستثمار بخطة استراتيجية ستساعد حزبنا على الخروج من العزلة التي يعانيها داخل الطبقة السياسية اليوم.فيكبر في عين الخصوم في مقبل السنوات. وتنتج حلفاء جدد قد تفرزها حركة المجتمع المدني في مسار العشرية المقبلة.

بالعودة إلى التراث و النفس النضالي للشعب المغربي في القرن الماضي ضرورة تاريخية و سياسية لإتمام مهام الإصلاح الديمقراطي الذي بدأ مع دستور 2011م. والأمر هذا يهم أيضا بنفس المقدار حركتنا العتيدة.حركة التوحيد والإصلاح.

الواقعية المناضلة تفرض على الحزب توجيه البوصلة إلى  أسفل نحو المجتمع المدني العميق كأولوية بدل التركيز فقط على المجتمع الحكومي والحزبي في عمل الحزب. بل يجب استثمار تآكل المجتمع الحزبي وتنامي حركة المجتمع المدني بذكاء سياسي ينقذ الحزب من الموت على المدى البعيد. وموت الكيانات السياسية هي تحولها إلى هياكل تنظيمية كأشجار خاوية على عروشها.

ومن سمات الواقعية المناضلة  انسحاب الجيل الأول بالتدرج بمقدار وسلاسة أمدها عشرية كاملة.لتصبح قيادة الحزب الوطنية والجهوية والمحلية  في هذه العشرية جيل جديد أشرب في قلبه الواقعية المناضلة. فهي ضرورة تاريخية ليربي الحزب ريشة بعد هذا النتف الشديد اليوم.

فالحديث عن الصقور والحمائم داخل الحزب مغالطة. فهما سيان إلا في مسألة الشخصية الكرزمية.وهي ذات الأهمية الفائقة طبعا في العمل السياسي وأثرها الملهم السالب أو الموجب على الرأي العام المغربي كما  جربناها في مرحلة المناضل عبد الإله بنكيران.

وكلا التيارين عجينة واحدة دقيقها الواقعية المهادنة المخبوزة منذ ربع قرن من الزمان. وفي تقديري كلا الطرفين مطالب  بالانسحاب التدريجي و بسلاسة من القيادة خلال العشرية المقبلة.

 وبعد العشرية المقبلة قد تصبح الضرورة التاريخية والسياسية تفرض العودة من جديد إلى الواقعية المهادنة منهج السياسي غير مفلس.دون التفريط في نهج الواقية المناضلة. فليس هناك خط مستقيم في النضال.بل هو خط جدلي لولبي بالضرورة.مدبر مقبل صاعد نازل…

فتبني استراتيجية المعارضة لعقد من الزمان(حتى 2030م). بمشروع سياسي واقعي يعمل على إتمام مهام الإصلاح الديمقراطي الذي انطلق مع حركة 20 فبراير. والذي عنوانه الرئيسي ( إعادة توزيع السلطة وإعادة توزيع الثروة توزيعا عادلا). وبنهج يتبنى أساليب الضغط الجماهيري؛ يخرج الحزب من عزلته الخانقة تحدث له  تحالفات جديدة في مسيرة النضال..فكل الأحزاب وحتى الدولة اليوم تعتبر حزب العدالة والتنمية خصما إن لم يكن يعتبر عند بعضهم  عدوا.

وسيصبح بقوته النضالية الوسطية المتحررة من الرومنسية الثورية المفلسة كما هو نهج العدل والإحسان واليسار المغربي والتيار الأمازيغي المتطرف. ومتحررة من الواقعية المهادنة  المفلسة كما هو حال باقي الأحزاب. سيصبح قوة متجدرة لما بعد ثلاثينات القرن.

ومن خصائص الواقعية المناضلة المبصرة مراعاتها الشديدة  للقضايا العميقة في  الوجدان الجمعي عند المغاربة.بلا خدش أو هتك لها..كما حدث في مسألة التطبيع  والتراجع عن التعريب والمس بالقيم الدينية العميقة كما حدث مع مسألة الكيف المحرم شرعا. فهي قرارات مست الوجدان الجمعي العميق للمغاربة وليس السطحي.عند ذلك  سيصبح الحزب قوة يحسب حسابها بإذن الله.

 أضف إلى ذلك الحذر ثم الحذر في  المس بمصالح المشروعة للطبقة الوسطى؛ باعتبارها المخزون الاستراتيجي للحزب. أو التصادم المجاني معها. في مصالحها الشرعية مسألة مركزية في البرنامج الحزبي.

ومن  صفات الواقعية المناضلة أيضا تجنب نهج سياسة الصمت تجاه قضايا الشعب الحيوية في العيش الكريم والكرامة وما أدراك ما الكرامه.الصمت  تجاه ما حدث من  الخروقات لحقوق الإنسان والصحافة. والصمت تجاه الاعتقالات الفاضحة للمناضلين والإعلاميين…وما حدث لمناضلي الحراك الاجتماعي في منطقة الريف وجرادة. و الحركة النضالية عند الأطباء والأساتذة…وغيرها.

وأيضا  لا بد من التواضع الفكري عند قادة الحزب والتحرر من كثير الغرور السياسي الذي دل على بعض الفقر في الرشد السياسي الاستراتيجي.فكثير من أفكار شعبنا أعمق من أفكار بعض قيادة حزبنا. وفي تقديري أن التصويت العقابي و عدم التصويت العقابي معا (المقاطعة العقابية) لشعبنا تجاه الحزب دليل على يقظة هذا الشعب العظيم وذكائه. ليس اليوم فقط بل حتى في القرن الماضي. فهو ذكي ومقدام وكريم سياسيا. هذه قضية على الحزب حسابها بدقة في مقبل السنوات وهو يناضل. فالوعي والإحساس الرهيف بنبض الوجدان الشعبي العميق للمجتمع وحسبانه في الموقف النظري والعملي بالغ الأهمية في تجدر الحزب في مقبل السنوات.


شاهد أيضا