أنتلجنسيا الثقافة والفكر والأدب

هل انفرطت العروة الوثقى بين العم سام و القارة العجوز .. ؟؟!

انتلجنسيا المغرب 

تابعنا كلنا في أخبار اليوم ما سماه وزير الخارجية الفرنسي ب “طعنة في الظهر”، و رغم اقتناعي التام بأن الفرنسيين مثلنا يعشقون التعابير الرنانة، إلا أن المشهد ككل يبدو صادما لهم، صفقة القرن بأكثر من 65 مليار يورو، طارت في رمشة عين، رغم أنهم قد وقعوا الاتفاقية مع أستراليا عام 2016، لكن المؤكد هو أن مياها كثيرة جرت تحت الجسور منذ ذلك الوقت.

القصة النهائية قد بدأت ملامحها في الظهور، الأمر يتعلق حلف أمريكي، بريطاني، إسرائيلي في طور التشكل، و قد بدأت ملامحه تتحدد شيئا فشيئا و أضيفت إليه أول دول الكومونولث البريطاني، إذ يبدو من الواضح أن العم سام و حلفاءه التقليديين، يفكرون في الإنسحاب من الحلف الأطلسي و تعويضه بحلف جديد، موجه هذه المرة نحو الصين تحديدا (و روسيا بشكل أقل في الوقت الحالي)، و أستراليا هي عقدة إستراتيجية أساسية في المواجهة المفتوحة مع الصين، خصوصا في منطقة بحر الصين الجنوبي التي أنشأت فيها الصين عشرات الجزر الصناعية، لتأمين محيطها الإقليمي عسكريا من حهة البحر، و هي التي تمثل الخاصرة الرخوة جغرافيا، و هو ما يجعلها مسرح معارك فعلية في حالة اندلاع مواجهات عسكرية في المنطقة، لكن الجديد هذه المرة، هو أن الولايات المتحدة الأمريكية قد باتت تتعامل بتوجس كبير مع الحلف الأطلسي و هو ما سبق أن عبر عنه الرئيس الأمريكي الأسبق دونالد ترامب بوضوح حين كان يلمح إلى مطالبة الدول العضوة في الحلف بدفع ثمن دفاع الولايات المتحدة الأمريكية عنها مستقبلا، و قد رد عليه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بتصريح وصف بالغريب وقتها، حين دعا الدول الأوروبية إلى التفكير جديا في إنشاء جيش خاص بالإتحاد الأوروبي لمواجهة الأخطار الإقليمية التي تهدد القارة، دون أن يقوم بتحديدها.

هذه المواقف المتباينة إلى حد التنافر، و التي لا تحدث عادة بين حلفاء حاربوا مع بعضهم البعض طيلة أكثر من قرن (منذ الجرب العالمية الأولى)، لم يكن بالإمكان تفسيرها في وقت صدورها، بل إن الأوروبيين قد تعاملوا مع ما قاله ترامب و كأنه نزق روتيني اعتادوا على صدوره منذ بداية حملته الانتخابية، لكن اليوم يمكننا القول أن ترامب لم يكن يتنمر على الأوروبيين كما اعتقدوا، بل كان يعبر عن بداية تحول نموذجي في السياسة الخارحية الأمريكية، مفاده أن العروة الوثقى قد انفصمت نهائيا، و لم يكن البريكسيت البريطاني في هذا الإطار إلا محطة أساسية من محطات هذه النقلة النوعية، و هذا ما يفسر اعتبار الأمريكيين و البريطانيين اليوم كون أستراليا و محيطها الإقليمي، مجالا خالصا لهم، و طعنة الظهر هاته، لها تفسير واحد لو وضعناها في البعد العسكري، لا نريد أنظمة تسليحية أخرى في هذه المنطقة الحساسة بالنسبة لمصالحنا الإستراتيجية غير أنظمتنا نحن فقط، و هذا ما يؤكده كون الغواصات التي سوف تبيعها الولايات المتحدة لأستراليا هي صناعة أمريكية، و بأنظمة تسليح بتكنولوجيا بريطانية.

الجميل في هذه القصة، هو أن المغرب مرة أخرى، يتموضع في الموقع الصحيح، أقول مرة أخرى، لأن المغرب سبق له أن اختار الجبهة المنتصرة قبل الاستقلال حتى حين اصطف إلى جانب الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية، ثم مرة ثانية في أوج الحرب الباردة بين المعسكر الشرقي و الغربي، و هذا ما جعل منه هدفا مشروعا في حسابات السياسة، لخصوم موضوعيين سعوا منذ الستينيات لزعزعة استقرار المملكة و الإطاحة بالنظام الملكي، على شاكلة ما وقع في مصر و العراق و ليبيا خلال موجة الناصرية و القومجية الفاشلة، و الجزائر تحديدا شكلت رأس الحربة الموجه نحو المغرب حينها، و لا زالت.
و هذا ما يحيلني على الإعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، الذي لا زالت الأسباب الحقيقية وراءه خافية تماما عن الجميع، فلا أحد حتى الآن إستطاع إيجاد تفسير منطقي لهذا التجول المفاجئ في الموقف الأمريكي، الذي صدم بدرجة أولى الحلفاء الأوربيين و جعلهم يتخذون ردود أفعال غريبة و عبثية، من قبيل ما قامت به ألمانيا في اليوم الموالي للإعلان الأمريكي، أو رد فعل إسبانيا التي فتحت صراعا ديبلوماسيا مباشرا مع المغرب كاد أن ينتهي بالقطيعة الديبلوماسية التامة بين البلدين، أمام صمت أمريكي تام، بل قطيعة فعلية بين جو بايدن و رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، بدأت برفض استقبال المكالمات الهاتفية القادمة من قصر المونوكلوا إلى البيت الأبيض طيلة شهور، و انتهت بمشهد هرولة بيدرو سانشيز إلى جانب جو بايدن في اجتماع دول الحلف الأطلسي أمام كاميرات الصحافة، محاولا الحصولعلى بضع ثوان من وقته الثمين، و تلك كانت الإهانة التي فهم بها الإسبان أن هناك تغييرا جذريا في المعادلة، و هو ما دفع سانشيز إلى إقالة وزيرة خارجية شا غونزاليس لايا، و تعويضها بوزير جديد (خوسي مانويل) حرص على أن يكون أول تصريح رسمي له خلال حفل تسليم السلط و تسلم مهامه الجديدة، هو وصف المغرب بـ”الصديق الكبير”، و التأكيد على ضرورة “العمل مع شركاء وأصدقاء إسبانيا وتعزيز علاقاتها، خاصة مع المغرب”، و هي البادرة الإيجابية التي تلتها تصريحات أخرى أكد من خلالها استعداد إسبانيا للحوار مع المغرب حول كل الملفات، بما فيها سبتة و مليلية المحتلتين، و فيما تسرب من أخبار فلا زالت المفاوضات مستمرة بشكل إيجابي بين البلدين، و هو ما أكده الملك محمد السادس في خطابه الأخير في نهاية شهر غشت الماضي بقوله : ” وقد تابعت شخصيا، وبشكل مباشر، سير الحوار، وتطور المفاوضات. “، و لعل من غرائب الصدف التي لا تحدث عادة في عالم السياسة، هو أن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز قد تلقى في نفس الليلة و مباشرة بعد نهاية الخطاب الملكي، إتصالا مباشرا من الرئيس الأمريكي جو بايدن، دام لمدة 25 دقيقة، تركت أثرها في نفسية سانشيز، لدرجة أنه أعلن الخبر في تويتات مفصلة د، أثارت سخرية الصحافة الإسبانية.

و رغم أن الجميع وقت إعلان الاعتراف الأمريكي -و أكثرهم لا زال على موقفه- أصروا على أن الإعتراف نفسه جاء كمقابل لعودة العلاقات الديبلوماسية بين المغرب و إسرائيل في إطار اتفاقات أبراهام، إلا أن أغلبهم قد أغفل تفصيلا مهما جدا، و هو الإتفاق العسكري الذي وقعته الولايات المتحدة الأمريكية مع المغرب في شهر أكتوبر من العام الماضي قبل صدور الاعتراف، و الذي يستمر ل 10 سنوات، و يشمل عقود تسليح ضخمة، و مناورات عسكرية مشتركة بقوات ضخمة و على امتداد جغرافي يشمل الصحراء المغربية و سواحل المحيط الأطلسي، بالإضافة إلى دعوة بريطانيا للقوات المسلحة للمشاركة في مناورات عسكرية مع الجيش البريطاني، يليه رفض المغرب لعرض فرنسي نقله رئيس أركان الجيوش الفرنسية فرانسوا لوكوانتر خلال زيارته الأخيرة، لشراء مقاتلات Rafale بأثمنة فرنسية، ليتبين بعدها مباشرة أن المغرب مهتم جدا باقتناء مقاتلات F-15 الأمريكية، هذا الاتفاق و ما تلاه من مواقف ديبلوماسية مغربية متشددة من المغرب في إتجاه ألمانيا و إسبانيا، بالإضافة إلى الفتور الذي يخيم على العلاقات المغربية الفرنسية حاليا، بسبب إصرار الفرنسيين على الإستمرار في دعم و حماية الطغمة العسكرية الحاكمة في الجزائر، كل هذه شواهد واضحة تبين أن هناك وضعا إقليميا جديدا ترسم معالمه بتأن شديد خلال الخمس سنوات الأخيرة، و يرتكز على تغير واضح في الثوابت الديبلوماسية التي تأسست عليها علاقة الولايات المتحدة الأمريكية بالأوروبيين، و الهدف الأكبر في الخلفية، هو مواجهة الصين بشكل جدي و مباشر خلال السنوات القادمة، لكن دون الاعتماد على القارة العجوز كما جرت العادة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

ملحوظة : أعلن اليوم رسميا عن توقيع اتفاقية تعاون تنص على مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية و احترام سيادة و سلامة أراضي كلا البلدين، بين البرلمان المغربي الحبيب المالكي رئيس مجلس النواب و رئيس الجمعية الوطنية الشعبية الصينية.

ضع هذا الخبر تحديدا في المكان المناسب لكي تكتمل الصورة النهائية في ذهنك، لأن الدول لا توقع إتفاقيات على سبيل تزجية الوقت و محاربة الملل.


شاهد أيضا