أنتلجنسيا الثقافة والفكر والأدب

الزواجات المسكوت عنها في المغرب

انتلجنسيا المغرب 

تبعا للمعايير الاجتماعية، يمكن الحديث في المغرب عن صنفين من الزواجات، صنف مقبول اجتماعيا، وصنف آخر لم يكتسب بعد مشروعيته الاجتماعية. فالصنف الأول (المقبول اجتماعيا) ينقسم بدوره إلى نوعين، نوع شرعي مستوف للشروط الشرعية للزواج، وقانوني أي موثق لدى محاكم قضاء الأسرة. ونوع ثان شرعي لكنه غير قانوني، أي غير موثق بعقد تحرره السلطات المعنية (الزواج بالفاتحة). لكن كلاهما مقبول اجتماعيا. فالنوع الأول هو السائد في المجتمع، بينما النوع الثاني في تلاش، ولازال محصورا في بعض القبائل المغربية، تؤكد مشروعيته “اجماعة” كتنظيم اجتماعي وسياسي وقضائي قبلي باعتبارها الراعي والضامن لحقوق الأفراد سواء على مستوى الحصول على شواهد إدارية لإثبات الزوجية والبنوة وحفظ الأنساب، أو أثناء اقتسام الميراث… هذا عن الصنف من الزواج ذي المشروعية الاجتماعية. أما الصنف الثاني من الزواج غير المقبول اجتماعيا، فهو الزواج المسكوت عنه، يمارس في الخفاء، لكنه لا يشكل ظاهرة اجتماعية، كما هو الشأن في بعض الدول العربية كمصر مثلا، هذا فضلا عن عدم توفر معطيات إحصائية في ظل غياب دراسات سوسيولوجية حول الموضوع. إلا أنه في تنام في غفلة من المؤسسات الاجتماعية السائدة، وما يسجل كحسنات لوسائل الإعلام هو تسليط الضوء على القضايا المثيرة أو الظواهر في طور التشكل.

هذه الأنماط الخفية من الزواجات يمكن حصرها أساسا في ثلاثة أشكال، هي الزواج العرفي وزواج المتعة وزواج المسيار. زواجات خفية لأنها محظورة اجتماعيا ودينيا وقانونيا…وبالتالي فهي تمارس في سرية تامة ولم تكتس بعد مشروعيتها الاجتماعية.

هذا ما يجعلنا نطرح الأسئلة الآتية:

ـ أولا وقبل كل شيء، ما هي دلالات الأشكال الثلاثة للزواجات غير المشروعة تجنبا للخلط ورغبة في التدقيق؟

ـ لماذا هذه الأنماط الثلاثة من الزواجات غير مشروعة اجتماعيا؟

ـ ما هي شروط إنتاجها في ظل عدم مشروعيتها الاجتماعية؟

المقصود بالزواج العرفي هو اتفاق مكتوب بين رجل وامرأة يعترفان من خلاله بوجود علاقة زواج لكن بدون عقد شرعي، يتم هذا الاتفاق عادة على ورق عاد أو بدون ورق. بحضور شهود أو بدون شهود. لا يترتب عليه نفقة أو متعة. وليس للزوجة أي حقوق شرعية لدى الزوج، باستثناء الأبناء في حالة الإنجاب.

أما زواج المتعة فهو زواج مؤقت إلى أجل مسمى، ينتهي الزواج بمجرد انتهاء الأجل، هدفه تحقيق اللذة والمتعة، وتحصين الذات من الوقوع في الزنا نتيجة تعدد الخليلات. يتحقق هذا الزواج بدون عقد شرعي بحضور ولي الأمر أو الشهود، وليس للزوجة أي حقوق شرعية باستثناء الأبناء في حالة الإنجاب.

في حين أن زواج المسيار، فهو زواج موثق تتوفر فيه جميع شروط الزواج الشرعي مكتمل الشروط والأركان، باستثناء الإعلان عن الزواج. وغالبا ما يلجأ إلى هذا النوع من الزواجات الرجال الراغبون في الزوجة الثانية دون إخبار الزوجة الأولى خوفا من هدم بيت الزوجية الأولى. لهذا تتنازل الزوجة الثانية عن بعض حقوقها كالعدل في المبيت والنفقة وحفل الزفاف وإعلان الزواج.

صحيح أن عامة المغاربة لا يميزون بين هذه الأشكال الثلاثة من الزواجات غير المشروعة. ما هو معروف عندنا هو ما تروج له بعض القنوات الفضائية العربية حول الزواج العرفي في بعض المسلسلات التلفزيونية والأشرطة السينمائية العربية عامة والمصرية على وجه الخصوص. أما زواج المتعة وزواج المسيار، فقد أصبحت تتداولهما بعض الفضائيات الإسلامية بالتحريم (الفضائيات المحسوبة على الاتجاه السني)، أو بالإيجاز (الفضائيات ذات التوجه الشيعي).

لماذا هذه الزواجات غير مشروعة في المجتمع المغربي؟ لأنه ببساطة المغرب يدين بالولاء للمذهب المالكي السني، وفقهاء السنة عموما اتفقوا على حرمتها سدا للذرائع، وسد الذريعة أصل من أصول الشريعة الإسلامية. لأن الزواج عندما يفتقر إلى ركن من أركانه الأساسية يصبح شبهة. والزواج هو مودة ورحمة وتساكن وحفظ للعرض وصون للحقوق. في حين أن الهدف الأساسي، بشكل عام، للزواجات الثلاثة غير المشروعة (العرفي، المتعة، المسيار) تتجلى بشكل واضح في تحصيل اللذة والتحلل من مسؤوليات الأسرة ومقتضيات الحياة الزوجية، لكن بلباس شرعي مشبوه، لا يعترف بمشروعيته الفقه السني، ولا تقر به المرجعية القانونية المغربية.

وبخلاف بعض الدول العربية التي تنتشر عندهم ظاهرة الزواج العرفي في صفوف الشبان والشابات، فإن هذه الظاهرة لم تجد بعد التربة الخصبة لإنباتها. بيد أن الشكل الأكثر شيوعا في  المجتمع المغربي هو الزواج العرفي، زواج يتم في الغالب بين شابات مغربيات وبين رجال ذوي الأصول الخليجية على وجه العموم يروجون لمشروعية هذه الأصناف من الزواجات غير مقبولة اجتماعيا عبر فتاوى شيعية على وجه التحديد. تم التعرف على هؤلاء الرجال الخليجيين عبر مواقع الدردشة، أو أثناء زياراتهم السياحية للمغرب، أو عبر شبكات الدعارة المحلية والدولية. إلا أن هذا الزواج لم يبلغ بعد مستوى الظاهرة الاجتماعية.

إن أسباب انتشار هذه الزواجات تتنوع وتتعدد، بحيث يشكل العامل الاقتصادي المتمثل في الفقر والبطالة في صفوف فتياتنا أبرز شروط إنتاج هذه الأنماط من الزواجات، دون أن ننسى عوامل أخرى مؤثرة كارتفاع نسبة العنوسة لدى النساء المغربيات… مقابل إشباع الرغبة الجنسية المكبوتة لدى هؤلاء الرجال الخليجيين… في غياب التربية الجنسية لدى جميع الأطراف داخل الأسرة ومؤسسات المجتمع الأخرى، أمام ضعف الوازع الديني والأخلاقي والجهل بأحكام الشريعة الإسلامية…

من الآثار السلبية لهذه الأشكال من الزواجات المسكوت عنها، تدهور العلاقات الاجتماعية نتيجة هشاشة منظومة القيم الأخلاقية والدينية، فضلا عن تحول هذه الزواجات إلى ما يشبه الدعارة المنظمة والمقنعة، وشيوع بعض القضايا المعروضة على المحاكم حول مظاهر النصب والاحتيال، وقضايا إثبات الزوجية والبنوة والنسب والميراث، وارتفاع أعداد الأمهات العازبات والأطفال غير الشرعيين…

 

هذه بعض مظاهر وأسباب ونتائج الزواجات المسكوت عنها في المغرب، يقتضي دراستها وتشخيصها عبر الكشف عن خلفياتها الفكرية والإيديولوجية والاجتماعية…، وتفكيك عناصرها بشكل يسهل التصدي لها في جنينيتها، قبل استفحالها، كما هو حاصل في بعض البلدان العربية المنفتحة. وهذا هو محور اهتمام البحث في العلوم الإنسانية، والتوعية الدينية والتربية الجنسية، دون أن ننسى الدور الذي يمكن أن تلعبه وسائل الإعلام في تسليط الضوء على هذه الملفات الشائكة.


شاهد أيضا