أنتلجنسيا الثقافة والفكر والأدب

نظرية المقاصد عند الفلاسفة

انتلجنسيا المغرب 

اشتهرت الدراسات المقاصدية في العقود المتأخرة بين المشتغلين بالعلوم الشرعية، وتوجه أغلبهم إلى دراسة المقاصد من خلال تراث علم من الأعلام، مفسرا أو أصوليا أو فقيها. ومنهم من قدم دراسة للمقاصد من خلال مجال فقهي بعينه دون الالتزام بشيخ واحد، كالمقاصد المالية، ومقاصد البيوع، وغيرهما.
وأثناء الدراسة المقاصدية، يبذل الباحثون جهدا لمعرفة أصول النظرية في مراحلها الجنينية الأولى، ويحيلون على الحكيم الترمذي والشاشي وغيرهما من المتقدمين.
والمقاصد عمل عقلي، وجهد بشري، أنتجه حكماء الإنسانية على اختلاف مشاربهم وأجناسهم، وهو من المشترك الإنساني، وقد أبدع الفقهاء أحيانا مقولات مقاصدية وجدناها متوافقة مع غيرهم من الفلاسفة، وأحيانا كان فقهاء وأصوليو المسلمين منفتحين على التراث الفلسفي، واقتبسوا منه حكما مقاصدية ودررا لامعة.
هذا الانفتاح لا يكاد يذكره مقاصديو العصر من المتشرعة، ويظنون المقاصد علما إسلاميا محضا، وهو ما حذا بنا إلى إيراد بعض اللمع من كتب الفلسفة، التي تعد بذورا أولية للمقاصد، مما يبين أن فقهاء المسلمين انفتحوا على المقاصد أولا، واجتهدوا من اجل تبيئتها إسلاميا، وذلك من خلال التأصيل لمقولاتها شرعا، أو التمثيل لها بأمثلة شرعية فقهية، وكانت نتفا هنا وهناك، إلى أن استوت على ساقها مع الشاطبي، ثم وقع لها فتور وضمور، إلى أن أحييت من جديد مع التوانسة ومدرسة المنار.
وأول المقاصد التي يجب ذكرها، هي مقاصد القرآن، ولم يتناولها بالبحث والتحليل سوى نفر قليل جدا، ولعل أولهم هو الشيخ الرئيس ابن سينا في تفسيره لسورة الفاتحة، ولعل الغزالي حين تطرق إليها كان متأثرا به.
وبالعودة إلى تراثي أرسطو وأفلاطون وغيرهما، نجد كتاباتهما ملأى بالإشارات المقاصدية، خصوصا أنهم نظّروا للسياسة، والسياسة هي المجال الخصب للمقاصد وروح القانون.
أما الفلاسفة المتأثرون بهما والشارحون لمتونهما، فنجد عندهم ثروة مقاصدية.
ولنأخذ المثال بمصطلح “الضرورة”. فإن أشهر تعريف له هو تعريف الشاطبي، ونصه أثناء حديثه عن المقاصد الضرورية بأنها: “لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم، والرجوع بالخسران المبين والحفظ لها يكون بأمرين: أحدهما:
ما يقيم أركانها ويثبت قواعدها، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب الوجود. والثاني: ما يدرأ عنها الاختلال الواقع أو المتوقع فيها، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب العدم”.
وهذا تعريف طويل، جمع بين التعريف/المفهوم، وبين طرق تحقيقه وجودا وعدما.
وبالرجوع إلى المتن الفلسفي، نجد الفلاسفة هم أول من اعتنى بتحديد مفهوم الضرورة، ذكر ذلك الفارابي عند حديثه عن المدينة الضرورية، وبيّن أن تسميتها راجعة إلى أن أهلها يقتصرون “على الضروري مما به قوام الأبدان من المأكول والمشروب والملبوس والمسكون والمنكوح والتعاون على استفادتها”. ولم أتتبع هذا النص في المظان الأصلية، لأتحقق من صاحب هذه الصياغة، هل الفارابي أم انه اقتبسه من أفلاطون؟
وبعد مدة من الزمن، عرفها الفيلسوف ابن طفيل رحمه الله بأنها “الكفاية التي لا بقاء للروح الحيواني بأقل منها”. وهذا تعريف أكثر دقة وصرامة.
وبعد التعريف، بين وسائل تحقيق الضرورة، ووجدنا كلامه لا يحيد عن الوجود والعدم اللذين أشار إليهما الشاطبي، فقال: “ووجد ما تدعو إليه الضرورة في بقاء الروح أمرين: أحدهما: ما يمده من داخل، ويخلف عليه بدل ما يتحلل منه، وهو الغذاء”، وهذا حفظ وجودي حسب الشاطبي، ثم يقول ابن طفيل: “والآخر: ما يقيه من خارج، ويدفع عنه وجوه الأذى من البرد والحر والمطر ولفح الشمس والحيوانات المؤذية ونحو ذلك”، وهذا ما يطلق عليه “الحفظ العدمي” في نظرية الشاطبي.
ولا أستبعد أن يكون الشاطبي قد اطلع على هذا النص في كتاب حي بن يقظان، خصوصا انه كان من قراء كتب الفلسفة، وقد صرح بلسانه وكتب ببنانه أنه قرأ بعض كتب الفلسفة للفارابي.
من هنا، يتبين أن الحديث عن الضرورة هو من المشترك الإنساني، وليس خاصا بفقهاء الشريعة دون سواهم.
ومما اشتهر به الشاطبي، أن أصول الفقه في نظره قطعية، لأنها مبنية على الكليات، والكليات لا تكون كليات إلا إذا انبنت على الاستقراء، ولا يكاد يذكر أحد الكليات والاستقراء إلا ربطها بالشاطبي ارتباط الشخص بالظل، مع العلم أن الفكر الإنساني كله يقر ويتبنى هذه الفكرة، ولنا أن نقرأ ما كتبه الفارابي: “تؤخذ ألفاظهم المفردة أولا إلى أن يؤتى عليها الغريب والمشهور منها، فيحفَظ أو يُكتب، ثم ألفاظهم المركبة كلها من الأشعار والخطب، ثم من بعد ذلك يحدث للناظر فيها تأمل ما كان منها متشابها في المفردة منها وعند التركيب، وتؤخذ أصناف المتشابهات منها، وبماذا تتشابه في صنف صنف منها، وما الذي يلحق كل صنف منها، فيحدث لها عند ذلك في النفس كليات وقوانين كلية، فيحتاج فيما حدث في النفس من كليات الألفاظ وقوانين الألفاظ إلى ألفاظ يعبر بها عن تلك الكليات والقوانين حتى يمكن تعليمها وتعلمها”.
وهو جلي في تتبع الأفراد وجمع المتشابه منها، وضبط نوع تشابهها، إلى أن تتجلى الكليات تجليا ملموسا. وهذا عين الاستقراء الذي ذكره الشاطبي. وله في القوانين الرياضية والفيزيائية أمثلة، مما يعضد كونه من المشترك الإنساني، وليس من خصوصيات مقاصد الشريعة.
ولما كان الفلاسفة ينظّرون للحياة العامة، نبه ابن طفيل إلى مسألة مقاصدية في غاية الأهمية، وهي إحداث نوع من الترتيب في التغدية، وهي النبات ثم ثمرات النبات ثم الحيوان.
وبيّن أن استهلاك الإنسان للنبات والحيوان إفساد لهما، لكن الامتناع عنهما إفساد لذات الإنسان، ولما كان الإنسان أشرف من تلك الأشياء التي فسادها سبب لبقائه، “استسهل أيسر الضررين، وتسامح في أخف الاعتراضين”، وهذه لغة المقاصد والمقاصديين كما لا يخفى.
ثم ناقش تفاصيل في هذه المسألة، ليخلص في النهاية إلى ضرورة أن يقصد الإنسان في تغذيته أكثر هذه المطعومات وجودا، “وأقواها توليدا، وأن لا يستأصل أصولها ولا يفني بزرها، فإن عدِم هذه، فله أن يأخذ من الحيوان أو من بيضه، والشرط عليه في الحيوان أن يأخذ من أكثره وجودا، ولا يستأصل منه نوعا بأسره”.
وهذا نص فلسفي/مقاصدي بامتياز، يؤطر حياة الإنسان اليومية، ويفرض عليه استحضار المآل، وعدم الإضرار بالتوازن البيئي والطبيعي. إلى غير ذلك من الغايات.
والمقاصديون الشرعيون يفاضلون بين الأعمال، فالصدقة على القريب أولى من الصدقة على البعيد، وفعل الخير المتعدي خير من فعل الخير اللازم، وهذا نفسه نجده عند فيلسوفنا أبي حيان التوحيدي، وهو بالمناسبة كافر عند جمع من الناس، قال رحمه الله: “الجود في حال العسر موقعه فوق موقعه في حال الجدة، وفي حال الصحو أحسن منه في حال السّكر، كما أن البخل من الواجد القادر أشنع منه من المضطّر العاجز، والعفو في حال القدرة أجلّ موضعاً منه في حال العجز، والشجاعة في حال مبارزة الأقران أحدّ منها في حال الإحواج ووقوع الضّرورة، والعفّة في حال اعتراض الشّهوات والتّمكن منها أفضل منها في حال فقدان اللذات واليأس من نيلها، والقناعة في حال تبرّج الدنيا ومطامعها أحسن منها في حال اليأس وانقطاع الرجاء منا”.
وقال التوحيدي أيضا: “ما ينبغي أن يعنى الإنسان المحبّ للتبصرة، المؤثر للتذكرة، الجامع للنافع له، النافي للضارّ به في هذه الأحوال التي وصفناها بأسمائها معرّفة- ما استطاع- باجتلاب محمودها واجتناب مذمومها، وتمييزه مما يكمن فيه أو تقليله، أو إطفاء جمرته، أو اجتناء ثمرته، والطريق إلى هذا التمييز واضح قريب، كأن تنظر إلى الحياة والموت فتعلم أنّ هذين ليسا من الأخلاق ولا ممّا يعالج بالاجتهاد، وإلى النّوم واليقظة فتعلم أنّهما ضروريّان للبدن من وجه، وغير ضروريّين من وجه، فتنفي منهما ما خرج عن حدّ الضرورة وتسلم البدن ما دخل في حدّ الضرورة، ولا يكثرنّ الإنسان نومه ولا سهره، ولكن يطلب العدل بينهما بقدر جهده”.
وهذا النص جلي واضح في الآتي:
** جلب المحمود النافع، واجتناب المذموم الضار. وهذا عينه ما نحته المقاصديون في قولهم “جلب المصلحة ودرء المفسدة.
** بعض ضرورات البدن، كالنوم واليقظة.
** الضرورة مصلحة، لكنها ليست مصلحة محضة، لذا كانت ضرورية من وجه، وغير ضرورية من وجه حسب عبارته.
** لما كان النوم واليقظة ضروريين، كانت الضرورة تقدر بقدرها، فنهى عن الإكثار من النوم والسهر.
وهذه قضايا مطروقة في المقاصد الشرعية، والتوحيدي ينظر إليها من زاوية الفكر الإنساني المجرد. مما يعضد نفي الخصوصية.
والإنسان حين يكون في حالة الضرورة تضيق أمامه الاختيارات، فيلجأ إلى ما يجد ولو كان ممنوعا مستقذرا، وهو ما نص عليه المقاصديون بقاعدتهم “الضرورات تبيح المحظورات”، وهذه فكرة إنسانية، يعرفها الجميع في كل المجتمعات، وقد قررها الفيلسوف التوحيدي بنص قريب من هذا المعنى، قال: “والاختيار في الأشياء قوة ضعيفة جداً لا ثبات لها مع الضرورة التي ترِدُ قاهرة، وتوافي مُجْبِرَة”. وتمثل التوحيدي ببيت شعري يؤدي نفس المعنى:
إن الضرورة للإنسان حاملةٌ//على خلاف الذي يهوى ويختار.
ودقة المقاصديين جعلتهم يميزون بين مراتب المصالح، فجعلوا منها ضروري وحاجي، وهذا التمييز نفسه نجده عند التوحيدي في سياق عابر: “…. ولا تزدهيه الحاجة، ولا تمهله الضرورة …”، مما يعني أن هذا التمايز موجود في التراث الفلسفي قبل أن ينظَّر له في التراث المقاصدي الشرعي.
والمقاصديون مجمعون على وضع المال في الرتبة الأخيرة من الضروريات، بعد الدين والنفس والعقل والعرض، وهذا نفسه نجده عند حكيمنا الفارابي قبل الغزالي والشاطبي، ولنتأمل قوله: “فمن ذلك خلل القنية والمال، فالواجب عليه في ذلك أن يتأمل وجوه الدخل ووجوه الخرج، ويستقصى النظر في أسباب الدخل والوجوه التي يمكنه استجلاب المال منها إلى ملكه، فيبالغ في استجلابه من حيث لا يضر بشيء مما تقدم ذكرنا له من الأصول أعني به: لا يخل بدينه ومروءته ولا بعرضه فإنه ليس كل وجه تكون فيه منفعة يحسن بكل أحد أن يتعرض له مثال ذلك الدباغة والكناسة والتجارات الخسيسة والقمار والوجوه التي لا يحسن بذي المروءة أن يجتلب المال منها فإذا تجنب هذه الوجوه واكتسب المال من وجهه فيجب أن يخرجه بحسبه أعني أن يكون خرجه بحسب دخله، ويجتهد أن يعرف بالسخاء، وليس السخاء بذل الأموال حيث اتفق، لكن بذلها فيما ينبغي وحيث ينبغي وبالمقدار الذي ينبغي على سبيل الاعتدال اللائق بحال طبقة من الناس”.
وهو صريح في ضرورة جلب المال بشرط أساس، وهو ألا يخل بدينه أولا، ومروءته وعرضه ثانيا.
وهذا الترتيب وإن لم يذكره الفارابي خماسيا، واقتصر على الدين ثم العرض ثم المال، فأظنه أسبقُ من أشار إليه.
ونتأمل في هذا النص أيضا قوله: “ليس كل وجه تكون فيه منفعة يحسن بكل أحد أن يتعرض له”، بمعنى أن هناك منافع/مصالح لا نلتفت إليها ولا نسعى لجلبها، وهي ما يسمى عند المقاصديين الشرعيين “المصالح الملغاة”.
وختم النص بالحديث عن العدل في السخاء، وضبطه ضبطا مقاصديا.
هذه نتف وإلماعات، وجدتها مذكورة في التراث الفلسفي، ويضاف إليها ما سطرته في منشور سابق من تراث أرسطو، ولو تتبعها الباحثون لرصدوا من خلالها نواة قديمة للمقاصد.
والإمام الشافعي حين وضع الرسالة الأصولية كان بعيدا كل البعد عن هذه المفاهيم، لكن تلاميذ مدرسته من بعده، انفتحوا على الرموز الثقافية التي فرضت نفسها إبانئذ، كابن سينا وغيره، فتثاقف معهم الجويني واستفاد منهم الغزالي فاقتنصوا تلك المفاهيم ووطنوها مصنفاتهم الأصولية، ثم استمر الحال إلى أن وصلنا إلى العز فيلسوف الإسلام وتلاميذه القرافي وابن دقيق، ثم ابن تيمية وتلميذه الزكي الذكي ابن القيم، إلى أن استوى المشروع على سوقه مع الشاطبي رحم الله الجميع.
وإذا تتبعنا هذه الإشارات المقاصدية هنا وهناك، يتبين لنا أن بإمكان المثقفين المسلمين غير الأصوليين أن يكتبوا فيها وينظروا لها، ولعل في تراث ابن خلدون وابن الأزرق ما يعضد هذا ويعززه.
وفي عصرنا، نجد الحكيم علي عزت بيغوفيتش والدكتور عبد الوهاب المسيري والأستاذ فهمي هويدي والأستاذ الشهيد سيد قطب ومالك بن نبي وغيرهم، كلهم بإمكانهم التنظير للعمل المقاصدي، خصوصا إذا أبدعوا بعد اشتباكهم مع أحداث الواقع ومخالطة أهله، وكلهم يستطيع أن يتحدث عن ارتكاب أخف الضررين، وجلب المصلحة، والضرورة، والوسائل والمقاصد، وغير ذلك. وهذا الذي يرجح أن المقاصد ليست بالضرورة جزءا لا ينفصل عن أصول الفقه، بل يمكن أن نقول بأنها أدخلت في أصول الفقه وهو الذي استفاد منها، كما أن المقاصد قد يستفاد منها في فهم النص النبوي، وفي فهم النص القرآني، وفي الفقه.

شاهد أيضا