أنتلجنسيا الثقافة والفكر والأدب

علي جمعة والشاطبي

انتلجنسيا المغرب 

تدوول بشكل واسع شريط مرئي للشيخ علي جمعة المصري، تكلم فيه عن الشاطبي الغرناطي صاحب الاعتصام والموافقات، وتكلم عليه بطريقة تنتقص من إمامته ومكانته المرسومة في المخيال العام المعاصر.
وقد علق على هذا الشريط علماء وطلبة ومفتئتون ومتحمسون، منهم من اكتفى بسب علي جمعة، ومنهم من استعار ألفاظه من معجم السوقة والرعاع، ومنهم من تبنى المقاربة الإيديولوجية، كون جمعة صوفي، والشاطبي محارب للتصوف، لذا وجب التنقيص والتحقير، ومنهم ومنهم.
ولم أقرأ لحد الساعة ردا علميا يمكن أن يبين مكانة الشاطبي العلمية، وهراء علي جمعة. ولعمر الله إن علي جمعة لأسعد بتلك الردود، وقد يكتب سيرته الذاتية أو يكتبها له غيره، ويذكر فيها أنه ذكر عن الشاطبي كذا وكذا، ولم يستطع أحد أن يفند دعواه رغم كثرة المخالفين والمعقبين.
الشاطبي المجدد:
تكرر في كلام المعقبين أن الشاطبي رضي الله عنه كان مجددا مجتهدا في أصول الفقه، وهنا أتوقف منذ أمد، وأقلب النظر، وأبحث عن مواطن ومواضع التجديد عند إمامنا، ولم أعثر على ما يفيد الدعوى، وألتمس من كل من يتبنى هذا الرأي أن يسرد لنا عشر قضايا أصولية جدد فيها الشاطبي واجتهد. وسنكون له من الشاكرين. أما أنا، فتهت في الموافقات، وقارنتها بالاعتصام، ولم أجد للتجديد صدى.
نعم، هو أصولي كغيره من الأصوليين الذين ألفوا على وزان غيرهم، ببصمته الخاصة التي يتميز بها كل واحد عمن سواه.
وألفت النظر إلى أن مبحث البدعة من أهم وأدق المباحث الأصولية، وقد ناقشه إمامنا في الموافقات والاعتصام بمقاربتين متناقضتين، إحداهما تنسف الأخرى، فأي المقاربتين تعد تجديدا في المتن الشاطبي؟
الشاطبي الصحفي:
بالغ علي جمعة في تبخيس مقام الإمام، ووصفه بكونه صحفيا، وزاد ألفاظا وإشارات باليد تدل على التنقيص والتبخيس.
وهذا مردود على الرجل، فهو عالم في الفقه المالكي وأصول الفقه وعلوم العربية وغيرها من العلوم.
والصحفي قد تطلق على من طلب العلم من الصحف دون الأخذ من أفواه الرجال، وهذا وصف لا تؤيده المسيرة العلمية للشاطبي.
وإذا أطلق بمعنى أنه مرادف لـ”المثقف” في عصرنا، فقد نستسيغه.
وبيان ذلك أن الشاطبي اشتهر بجزء المقاصد وتميز به، ومع ذلك لم يعره العلماء كبير اهتمام، لأن أصول الفقه علم إسلامي محض، والمقاصد ليس علما إسلاميا، بل هو من المشترك الإنساني، ويمكن للمثقف غير الأصولي أن يبدع فيه وينظِم شوارده.
ومن أمثلة ذلك:
الصحفي المثقف فهمي هويدي، والمثقف الكبير مالك بن نبي، والمبدع الكبير طه عبد الرحمن والأستاذ الكبير عبد السلام ياسين … هؤلاء أعلام في الثقافة الإنسانية، ولهم زاد من الثقافة الإسلامية قرآنا وسنة، وليسوا أصوليين متخصصين، لو لم يكتب الشاطبي موافقاته، وطالبناهم بكتابة جزء في المقاصد مع تأصيلها وربطها بنصوص الشرع، لما قصروا.
وحين أصنف المقاصد ضمن المشترك الإنساني، فإن أهم مبادئها وقواعدها موجودة في الثقافات الأخرى، قبل نزول القرآن بقرون، ونظرا لأن علم أصول الفقه هو منظومة ثقافية، أو هو علم اجتماع المعرفة الإسلامية، فإنه ينفتح على غيره من الثقافات أكثر مما تنفتح العلوم الشرعية الأخرى، لذلك كانت له القدرة على الانفتاح على علم الكلام، والثقافة اليونانية. وكذلك انفتح على الثقافة الإنسانية من خلال المقاصد.
والنواة الأولى للمقاصد قد يجدها المثقف في الفلسفة اليونانية، ولن يجد لها أثرا في رسالة الشافعي.
وبعد الشافعي، انفتح المسلمون على ابن سينا وغيره، وهؤلاء كانوا منفتحين على الفلسفة اليونانية، فوقع التأثر والتثاقف، ثم نما إلى أن ترعرع مع الشاطبي.
ولو رجعنا إلى أقوال أرسطو وأفلاطون وسقراط وغيرهم سنجد مقولات مقاصدية متميزة.
ولنا الأمثلة الآتية من إمام المقاصد أرسطو:
** توسع في الحديث عن الوسائل والمقاصد في مواطن من كتبه، ونحن في المقاصد نقرأ أن شرف الوسائل تابع لشرف المقاصد، وأرسطو يقول: “كمال العمل هو دائما تابع لكمال العمال”. قال هذا بعد حديث عن العمل باعتباره وسيلة.
وقال أرسطو: “من أجل ذلك كانت الحرب بوجه ما وسيلة طبيعية للكسب، إذ أنها تشمل هذا الصيد الذي يصطنعه الإنسان للوحوش والأناسي الذين يمتنعون عن الطاعة، فتلك حرب قضى الطبع نفسه بمشروعيتها”.
وقال أرسطو ربطا بين الوسائل والحاجة، وميّز بين الحاجة الحقيقية والحاجة المتوهمة أو غير الحقيقية: “هاك ما كان علي أن أقوله على [الوسائل] المختلفة لكسب الزائد عن الحاجة، فقد أبنت ما هو تلك [الوسائل] وكيف أنها تصير عندنا [حاجة حقيقية]”.
وبما أن النقود من الوسائل، رأى أرسطو رفض الربا ونبذه، فقال عن الربا: “إنه طريقة كسب تولدت من النقد نفسه، ومانعة إياه من التخصص الذي من أجله كان قد خلق، النقد لا ينبغي أن يصلح إلا للمعاوضة والربح الذي ينتج منه يضاعفه هو نفسه كما يدل عليه”، إلى أن يقول: “الفائدة نقد تولد عن نقد، وهذا من بين ضروب الكسب كلها هو الكسب المضاد للطبع”.
** كل المقاصديين مجمعون على أن المصلحة لا تتمحض، وأرسطو يقول: “من الصعب إنكار أن الرأي المضاد ينطوي هو أيضا على شيء من الحق”. أليست الفكرة من المشترك الإنساني؟ فأي تميز للشاطبي هنا؟
** المقاصديون يقولون بإمكانية ترجيح المفسدة على المصلحة في حالات، وأن الفعل المذموم قد يستساغ في حالات بعينها، ويوردون دليلا من السنة، كحديث المشي خيلاء في المعركة، وأنها مشية يحبها الله ورسوله، رغم أن الخيلاء من الأمور المذمومة، وأرسطو يقول: “الفضيلة لها حق حتى في استعمال العنف إلى حد ما، وأن النصر يستدعي دائما استعلاء ممدوحا من بعض الوجوه”.
** ومن أبجديات المقاصديين، الحديث عن الضرورة وأرجحيتها على الحاجة، وأرسطو يقول: “بمقدار ما تغير صور هذه المساعدات المتبادلة وتنمو باستيراد ما ينقص وإصدار ما يزيد على [الحاجة]، قضت [الضرورة] باستعمال النقد ما دامت السلع [الضرورية] صعبة النقل بأعيانها”.
وقال أرسطو: “المعاوضة في الواقع تنطبق عليها جميعا، ما دام أنه قد وُجد منذ البداية بين الناس من السلع [الضرورية] للعيشة ما يربو على [الحاجة] من وجه، وما يقل عنها من وجه آخر”.
** وللمقاصديين حديث عن المصلحة الملغاة، ويقول أرسطو: “ولما كان كسب الأموال مزدوجا كما قد رأينا، أي أنها تجارية وعائلية معا، هذه الأخيرة [ضرورية ومحترمة بحق]، وتلك [محقورة] بحق أيضا باعتبارها ليست طبيعية ولا ناتجة إلا من نقل السلع…”.
فكسب الأموال في نظره ينقسم إلى كسب ضروري ومحترم بحق، وهذه المصلحة المعتبرة، وكسب محقور، وهو مصلحة ملغاة.
هذه نتف من كلام الحكيم أرسطو، لا أراها إلا عبارات أهل المقاصد وأرباب المقاصد، وقد تختلف في بعض التفاصيل، أو في بعض الأمثلة، أو في الاستدلالات، لكنها من المشترك في الجملة.
المقاصد سلعة المثقفين:
لم يتميز الشاطبي عن علماء أصول الفقه إلا بالشق المقاصدي من كتابه.
وبما أن المقاصد من المشاع بين الجميع، وأنها سلعة عموم المثقفين، فلم يكن للشاطبي فيها إبداع غير التنظيم والتنضيد، وأحيانا الاستدلال والتمثيل، وبإمكان غيره من الفلاسفة أو السياسيين أن يؤلفوا مثل تأليفه. وأن يجمعوا ويرتبوا مثل جمعه وترتيبه.
عالِمية جمعة:
تولى البعض من المعقبين الطعن في عِلم علي جمعة، ولم يقصروا في ازدرائه، وهذا من باب: أتنهى عن خلق وتأتي بمثله؟
رفضوا تنقيصه من علم الشاطبي، وبالغوا في التنقيص من علمه.
انتفضوا ضد تبخيسه من مقام الشاطبي، وأسرفوا في تبخيس علمه ومشيخته.
الواقع الذي لا يصدر إلا عن إنصاف، أن علي جمعة عالم كبير، ومتعدد المواهب، أقول هذا رغم علمي بلخبطاته وتخبطاته، وسبق أن كتبت مقالا نقديا قاسيا عن علي جمعة ما أعلم أن أحدا سبقني إلى مثله، ولكن الإنصاف يفرض علي أن أعترف بعلم الرجل.
وقد تابعت شروحه لمتن أصولي على اليوتيوب، وتابعت شرحا على متن أصولي آخر لأستاذي الدكتور محمد الروكي، والفرق بينهما شاسع وواسع، وعلي جمعة يبالغ في الكلام بالعامية، ومع ذلك مفيد مفيد، والدكتور الروكي دون ذلك بمراحل، ورغم ذلك نجد من يعلي من شأنه أكثر، ويحط من قدر الأول،
وخلاصة القول في علي جمعة: هو عالم سقطت عدالته، أو عالم مجروح العدالة، وكم له من نظائر في تاريخنا.
أما أن نقلل من علمه بسبب خلافنا معه فهذا عين الهوى. ولو كان هؤلاء المنتفضون شاطبيين حقا لابتعدوا عن الهوى، ألم يقل لكم الشاطبي بأن الشريعة جاءت لتخرج الإنسان عن داعية هواه؟

شاهد أيضا