أنتلجنسيا الثقافة والفكر والأدب

خالد أوبا عمر يكتب:مفارقة مغربية بامتياز!

انتلجنسيا المغرب

قررت مند مدة ألا أكتب إلا حينما تستدعي الضرورة فعل ذلك، والسبب وراء اتخادي لهذا القرار، الذي أثار حفيظة عدد كبير من أصدقائي الصحفيين، والحقوقيين، والكتاب الذين أقتسم معهم هم هذا الوطن، الذي نراه أكبر من الجميع، وفوق الجميع، وأغلى من كل شيء، راجع بالأساس إلى الاستياء العميق الذي بدأت أشعر به بسبب بعض الارتدادات التي تجاوزت حدود المقبول، وهي بكل تأكيد ارتدادات معزولة، تقف خلفها أطراف ترغب في جرنا إلى معارك صغيرة جدا، في الوقت الذي يواجه فيه البلد تحديات كبرى على المستوى الداخلي والخارجي!

اليوم عدت إلى قرائي الأعزاء، وكلي أمل في رؤية مغرب الإنصاف والمصالحة الحقيقيين، مغرب خال من الممارسات التي تخدش صورته الحقوقية، وتمس بمكانته الدولية!

لا يمكن للمغرب أن يسير بوثيرتين أو ديناميتين متناقضتينواحدة تراكم النجاحات تلوى الأخرى على مستوى السياسة الخارجية للدولة في علاقتها بمحيطها الدولي، وأخرى تراكم الخيبات، وتجر البلد سنوات إلى الخلف، من خلال تدبير عدد من الملفات الداخلية بمنهجية خاطئة، تضرب في العمق كل ما راكمه المغرب من إنجازات خلال السنوات الأولى من حكم الملك محمد السادس!

السياسة الخارجية والسياسة الداخلية للمغرب يشكلان وجهان لعملة واحدة، والمنطق يفترض أن يكون التماهي والتكامل بينهما هو القاعدة الجوهرية، وليس العكس كما يرى عدد كبير من المراقبين!

هناك دينامية دبلوماسية ملحوظة على المستوى الخارجي لا ينكرها إلا جاحد، حيث  حقق المغرب نجاحات دبلوماسية وميدانية، في نزاع الصحراء المغربية ضد خصوم الوحدة الترابية للمملكة، وفي المقابل هناك توجه نكوصي على المستوى الداخلي، ليس له ما يبرره على الإطلاق، ولا سيما في الشق المتعلق بما هو حقوقي، وفق ملاحظات المنظمات الحقوقية الوطنية والدولية!

النجاحات الدبلوماسية للمغرب في تدبير علاقاته الدولية، لا ينبغي التعامل معها كمحفز على انتهاك الحقوق والحريات على المستوى الداخلي، بل على العكس من ذلك تماما، ينبغي للدينامية الداخلية أن تكون متناغمة مع الدينامية الخارحية، لكي يربح البلد داخليا وخارجيا، وهذا أهم استثمار سياسي في تقديري الشخصي المتواضع!

من هذا المنطلق، شئنا ام أبينا نحن في حالة حرب في الصحراء، وهذا وحده عامل كافي لتقوية الجبهة الداخلية ورص صفوفها، ومن غير المقبول في ظل هذا الوضع الاستثنائي، هدر الكثير من الزمن في سياسة شد الحبل، سواء تعلق الأمر بتدبير الملف الحقوقي، أو بتدبير الصراعات الحزبية ذات الحمولة الشعبوية بسبب الانتخابات المقبلة، والتي ستجري بدون شك في ظروف استثنائية بكل المقاييس!

قفة ” جود ” ليست هي المعضلة الحقيقية التي تواجه بلادنا، والانتخابات في المغرب لن تكون  هي المدخل الرئيسي لإنجاز الانتقال الديمقراطي المأمول، إذا لم تكن مؤسسة على رغبة صادقة في الارتقاء بالعملية السياسية في البلاد، من خلال تجديد النخب السياسية، ودمقرطة الحياة الحزبية، ورفع اليد عن الأحزاب، وإعادة النظر في قواعد اللعبة السياسية بشكل عام.

يحز في النفس رؤية الجزء الأكبر من الطبقة السياسية في المغرب، منشغلا بالحملات الانتخابية السابقة لأوانها بخطابات سياسوية غارقة في البولميك، في ظل استمرار اعتقال نشطاء الحراك الإجتماعي، الذين أثبتت الوقائع، أن مطالبهم كانت عادلة ومشروعة، ومن المؤلم جدا رؤية صحفيين يقبعون في السجون ويخوضون معارك الأمعاء الفارغة، وهم الذين تشهد عليهم سيرتهم الإعلامية، بأنهم وقفوا ضد الفساد، وضد الاغتصاب، وضد الإجرام ، وضد الريع، وضد الرشوة، وضد السلطوية، وضد الإفلات من العقاب، وضد عدم ربط المسؤولية بالمحاسبة!

لا يمكن بعد اكثر من عشرين سنة من حكم الملك محمد السادس شافاه الله القبول بضرب المكتسبات التي جسدت إرادة ملكية قوية لطي صفحة الألم، وبناء صفحة الأمل مباشرة بعد وصوله إلى الحكم!

الدولة العاقلة، لا تغضب من أبنائها الذين يناضلون في مواقعهم المختلفة من أجل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، والمسؤولون داخل هذه الدولة، كيف ما كانت درجة مسؤوليتهم، يتعين عليهم أن يتصرفوا بحكمة مع القضايا التي تدخل في صلب مهامهم، بعيدا عن منطق شد الحبل، الذي يضر الوطن ولا ينفعه في شيء!

تجارب الانتقال الديمقراطي في عدد من دول العالم، تثبت أن التغيير يتم بشكل تدريجي، وأن الخاصية الأساسية فيه هي التطور إلى الأمام، وليس العودة بخطوات إلى الخلف، وهو ما نلمسه للأسف الشديد، من خلال الرتب التي يحتلها المغرب في عدد من المؤشرات، وفق ما يتم رصده في عدد من التقارير الدولية!

من جانب آخر، فالدور الذي تلعبه وسائل الإعلام اليوم في المغرب لا يمكن التعامل معه كما لو أنه انجازا عظيما، أو فتحا مبينا، بل على العكس من ذلك تماما هو عنوان لمرحلة تتسم بالكثير من البؤس، الذي لا يشرف المغرب الذي أفرز مدارس إعلامية كان يضرب بها المثل، والكل يتذكر كيف كان المغاربة يطوفون على الأكشاك يوميا أو أسبوعيا لشراء الجرائد!؟


شاهد أيضا