أنتلجنسيا الثقافة والفكر والأدب

حسن أوريد:العالم يواجه مشكلات البيئة والشعبوية والدكتاتورية الرقمية

انتلجنسيا المغرب

يوصف المفكر المغربي حسن أوريد بأنه المثقف الذي زهد في السلطة؛ فقد ولج قصور السلطة من بابها الواسع كأول ناطق باسم القصر الملكي في المغرب.

ثم عاد الرجل الذي تقاسم صف الدراسة مع الملك محمد السادس إلى الساحة العامة من باب الثقافة، بإسهام أدبي وفكري وتاريخي غزير.
وحاورت الجزيرة_نت المفكر المغربي الذي يعمل أستاذا بجامعة محمد الخامس في الرباط، والذي شغل مناصب عديدة منها مؤرخ للمملكة المغربية، والحائز على جائزة بوشكين الروسية للآداب سنة 2015.
ولحسن أوريد كتب مهمة عديدة، منها “من أجل ثورة ثقافية بالمغرب” (2018)،”أفول الغرب” (2019)، “السياسة والدين في المغرب” (2020)، وكذا كتاب عالم_بلا_معالم الصادر سنة 2021 عن “المركز الثقافي العربي” وهو محور هذا الحوار مع المفكر المغربي. والكتاب يعدُ دراسة في مجال العلاقات الدولية وعلم المستقبليات وفق أرضية فكرية يستشرف فيها حسن أوريد بأدواته المعرفية ملامح عالم اليوم والغد، سواء ما ارتبط بالسياق الدولي أو بالعالم العربي.
▪تحدث فوكوياما عن نهاية التاريخ، هل اليوم نعيش مرحلة نهاية الإنسان ومنه نهاية المعنى؟
يحسن أن نعود لما حدده فوكوياما. كتب مقاله الشهير عن “نهاية التاريخ”، مع علامة استفهام. ومهم أن نقف على علامة الاستفهام، وهو أمر يذهل عنه الكثيرون، ثم ما توسع في طرحه في كتاب يحمل عنوان نهاية التاريخ والإنسان الأخير. المقتضى الأول مستقى من هيغل حين قال إن قيم الثورة الفرنسية، المتضمنة لليبرالية، تفضي إلى المرجعية الأخيرة فيما انتهت إليه الإنسانية. أما مقتضى الإنسان الأخير فهو مستقى من نيتشه، بمعنى أن نهاية التاريخ ستقترن بنهاية البطولات وتؤول إلى نوع من التفاهة.
الخطاب الذي كان ساريا قبل سقوط حائط برلين وهو أن الماركسية أفق لا يمكن تجاوزه حسب جملة مأثورة لسارتر. فوكوياما حاول أن يتجاوز المقاربة الماركسية التي كانت طاغية أثناء الحرب الباردة، ويريد أن يربط بما انتهى إليه هيغل.
فوكوياما في كتابه لم يقل إن الأحداث التاريخية ستتوقف. الفكرة المحورية عند فوكوياما هي أن الليبرالية آخر ما انتهت إليه الإنسانية، سواء في شقها الاقتصادي، متمثلة في نظام السوق، أو السياسي متمثلة في الديمقراطية، مع تلازمهما.
هل يمكن القول اليوم إن السوق والديمقراطية متلازمتان؟ والحال أن هناك من يتحدث عن الديمقراطية اللاليبرالية، والليبرالية اللاديمقراطية؟ فضلا عن الصين التي مزجت بين نقيضين حسب طرح فوكوياما، نظام السوق اقتصاديا، والشيوعية سياسيا. هل يمكن أن نقول إن الليبرالية أفق غير متجاوز؟ القيم الأساسية التي تقوم عليها الليبرالية في أزمة، سواء في شقها السياسي مع أزمة الديمقراطية أو كسادها، باعتراف الغربيين أنفسهم.
اقتحام الكابتول مؤشر على ذلك، خطاب الرئيس الأميركي جو بايدن أثناء التنصيب أشار إلى ما يكتنف الدمقراطية من مخاطر بل وهشاشة. وبالتبعية لا يمكن الحديث عن نهاية التاريخ ولا عن الإنسان الأخير ولا انتهاء المعنى، كما ورد في سؤالك. كتابي ليس فلسفيا بقدر ما هو محاولة لقراءة العالم والعلاقات الدولية، في سياق ما بعد سقوط حائط برلين، مع جائحة كرونا، وتهافت نظرية فوكوياما.
▪هل نُفوق باراديغم (منظور) فوكوياما يعني نفوق باراديغمات زمن ما بعد كورونا مثل الدولة الحديثة والعولمة؟ أم أن الجائحة كاشفة لأزمة واقعة سلفاً؟
لا يمكن أن نختزل التاريخ في أحداث مثلما أوضحت في كتابي؛ التاريخ ليس أحداثا طارئة ومفاجئة؛ بل هو تراكمات نتاج تفاعل إنساني وفكري نعبر عنها بأحداث بارزة، جائحة كورونا لحظة فارقة، لكن لا يمكن أن نذهل عما سبقها من أزمات اعتورت المنظومة الليبرالية.
القيم التي يحيل إليها فوكوياما هي الرغبة والعقلانية، وهو ما يرتكز عليه نظام السوق، مع الحاجة للاعتراف، كما أورد هيغل، وهو ما تنبني عليه الديمقراطية، لكن فوكوياما لا يقول شيئا عن التضامن، وهو الحاجة التي برزت بعد الأزمة الاقتصادية سنة 2008، وحركات المنددين والسترات الصفراء، وحركات احتجاجية عدة في العالم. جائحة كورونا لم تخلق شيئا جديداً بل قامت بتعرية وضع متأزم أصلا. صحيح أنها أججت منه. في كل الأحوال نحن مقبلون على عالم ما بعد كورونا، وسنؤرخ لما بعد كورونا.
ومن علامات الفترة التي نحن مقبلون عليها، نهاية الأحادية القطبية التي كانت تقودها الولايات المتحدة، وما كانت تنعته وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت بالأمة الضرورة، والليبرالية في أزمة، والعولمة لم تعد سعيدة، خلاف كان يدعو له الفرنسي ألان مينك، والتجارة اللطيفة حسب مصطلح مونتسكيو ليست هي الترياق ضد الحروب، لأننا نعيش حروبا تجارية، ونظرية التدفق (Trickling down) أي خلق الثروة يفضي إلى توزيعها، يُفندها الواقع، وهناك عودة الحمائية الاقتصادية، مما يتنافى والعولة، ونحن أمام مشاكل جديدة، ذات طابع كوني، منها الخطر الذي يتهدد البيئة والاحتباس الحراري، والشعبوية، والدكتاتورية الرقمية والهجرة، التي تظل حسب خبراء ليست ذات اهتمام، ويقتصر التعامل معها إما من منظور أمني أو إنساني. هي أعمق من ذلك.
▪أشرتم إلى تقلص القوة الناعمة الأميركية هل هذا يعني تمدد القوة الصلبة في عالم العلاقات الدولية؟
نعرف أن جوزيف ناي هو من صاغ مصطلح القوة الناعمة؛ حيث اعتبر أن أميركا يمكن أن تبلغ مراميها بالقوة الناعمة أو قوة التأثير، لكن ناي تطور وأصبح يتحدث عن القوة الذكية Smart Power (مزاوجة بين الناعمة والصلبة)، الولايات المتحدة فقدت الكثير من تميزها فيما يخص القوة الناعمة، أو قوة الإغراء والتأثير. اللافت للانتباه أن هناك قوة جديدة تحظى بقوة ناعمة وهي الصين، ظهر ما اصطلح عليه بـ “دبلوماسية الكمامات” في خضم الأزمة، و”دبلوماسية اللقاح”. العالم المقبل سيكون موسوما بالقوة الذكية، أي مزيج ما بين القوة الناعمة والقوة الصلبة.
▪أشرتم إلى الثورة الثقافية الثانية في الصين، وكما هو معروف فإن الثورة الثقافية الأولى شهدت نكسة سياسية واقتصادية في الصين، هل تنذر بأن الصين ستشهد ما شهدته من الثورة الثقافية الأولى؟
لا أستطيع من موقعي أن أقول ذلك، فلست خبيرا في قضايا الصين، ولا يمكن أن أتنبأ. الذي يمكن أن أقوله وقلته في الكتاب هو أنه إذا كان ما قد طبع الحرب الباردة هو التنافس بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي فإن العالم الذي نحن على مشارفه سيتحدد من خلال التنافس بين الولايات المتحدة والصين.
هذا الأمر عبر عنه وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن مؤخرا بأن العلاقات بين البلدين ستتأرجح بين التعاون حينما تدعو الحاجة لذلك، والتنافس حين يقتضي الأمر والمواجهة عند الضرورة. التنافس والمواجهة لا يكونان إلا بين ندين، وحتى التعاون. هل سيفضي الأمر إلى تصادم حسب نظرية فخ توسيديدس التي يقول بها عالم السياسة غرام أليسون؟ أي حتمية التصادم.
وقفت في كتابي على مقال مهم صدر في فورين أفيرز (صيف 2020) من رئيس الوزراء سنغافورة لي هسين لونغ المعنون بـ “القرن الآسيوي المهدد بالانقراض أميركا والصين ومخاطر المواجهة” (The Endangered Asian Century America, China, and the Perils of Confrontation) يسعى أن يجيب على سؤال يخامر الأذهان، مشيرا إلى أن الحرب الباردة بين الصين والولايات المتحدة ستكون مدمرة بالأخص لو أضحت ساخنة.
لن تكون مشابهة لما عرفه العالم ما بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي أثناء الحرب الباردة، بتنحي غريم، بل تنذر بصدام مشابه لما حدث بين ألمانيا وفرنسا في الحرب العالمية الأولى، وكانت إيذاناً بخروج أوروبا من مسار التاريخ.
عالم الغد سيتأثر بالأساس بالعلاقات بين الصين والولايات، والصين فاعل ولها قوة اقتصادية وليس اقتصاد واجهة Potemkine. الصراع أو التنافس بين الصين والولايات المتحدة هو ما سيضع هندسة العالم، ولست ممن يسارع بالقول إن الولايات المتحدة انتهت. لا يوجد من ينافس أميركا عسكريا، في الأمد القريب. الصين والولايات المتحدة قوتان تضعان عالم الغد.
▪أشرتم في كتابكم إلى تصور كسينجر للصين، هل ما زال هذا التصور قادرا على الصمود في ظل التغييرات التي عرفها العالم ؟
لا أعتقد ذلك؛ كتاب كيسنجر عن الصين مفيد للغاية، ولكنه متجاوز. اعتمدته لاعتبارات بيداغوجية (تعليمية)، لأقرِّب المسار الذي عرفته الصين منذ الثورة الشيوعية سنة 1949 إلى القارئ العربي لفهم ما يجري في الصين، واعتمدت على كتابات خبراء عن الصين من الولايات المتحدة مَن يُعرفون بسينولوج (Sinologues).
كتاب كسينجر مفيد لفهم مرحلة دينغ شياو بينغ (قاد الصين بين عامي 1978 و1992)، أي اشتراكية بمعالم صينية غير رافضة للرأسمالية، وهو ما أسميته بثورة ثقافية لا تفصح عن اسمها، أو ما كان يدعو له “أخفِ قوتك، وانتهز الفرصة”، أو “تلمس أحجار النهر وأنا تقطعه”. نحن أمام مرحلة جديدة هي ما يسميه الصينيون بـ “حلم الصين”، و”الثعلب المحارب” مع وجود طبقة متوسطة عريضة وقوة رأسمال ونظام مصرفي له قوة ضاربة، وتكنولوجيا متقدمة، وهي أشياء لم يعرض لها كيسنجر.
▪هل تعتبر أن منظمة شنغهاي تدخل في هذا الباب الرامي لوضع قواعد جديدة في النظام الدولي ؟
هذا المشروع هو أحد أنوية لمشروع أضخم وهو “طريق الحرير الجديد”، هو ثورة تتجلى بحجم استثمارات تتجاوز مشروع مارشال الغربي، وطموحه أكبر، وهو مشروع يتمدد في كل القارات. لقاء شنغهاي هو محطة، وهو تجسيد للمشروع الكبير المتمثل في طريق الحرير، وهو مصدر إزعاج للولايات المتحدة، ويزاحم قوة صاعدة مثل الهند وكذا الأعداء التقليديين للصين مثل كوريا الجنوبية واليابان وأستراليا، فضلا عن فيتنام.
▪تحدثتم عن ظاهرة الشعبوية التي بات العالم يشهد تمددها، هل يمكن اعتبار أن الصين وجه آخر لشعبوية مثل حقبة ترامب في أميركا؟ أم أن واقع الحال في الصين يعبر عن الشمولية فقط؟
لم يسبق لي من خلال تتبعي أن وقفت على نعت أحدٍ نظام الصين بالشعبوية. ربما يمكن وصفها بـ “الشمولية” ولكن ليس الشعبوية. أُقِرُّ بأن الشعبوية هو سؤال اليوم والغد، وينبغي بأن نلم بهذه الظاهرة الآيلة للاستفحال. في كتابي اعتبرتها عرَضا من أعراض مرض الديمقراطية، ولكن حاولت أن أسبر غور هذا المسار الذي بدأ في روسيا في نهاية القرن الـ19، كرد فعل ضد التحديث المفاجئ، ثم بدأت تطبيقاته المتنوعة في الانتشار ومنها بخاصة أميركا اللاتينية وتجربة بيرون في الأرجنتين، وبعدها في أوروبا مع اليمين المتطرف.
لا أُراني أخوض هنا في موضوع طويل عريض. إجمالا الشعبوية هي عرَض من أعراض أزمة الديمقراطية، وانتفاء سرد كبير، وضعف الهيئات الوسيطة. القاسم المشترك بين الاتجاهات الشعبوية اليمينية هي رفضها لما تسميه بـ “النخب”؛ وزعم احتكارها تمثيل الشعب، والوله بالزعيم، وتمجيد القوة، ورفض الآخر كما ترفض الأقليات، وهي لذلك وقود الإسلاموفوبيا، ورفضها للأقليات هو ما يهدد العيش المشترك، وهو ما تشهده أوروبا اليوم.
الأخطر أن الشعبوية لم تعد مقتصرة على التنظيمات اليمينية المتطرفة، بل أخذ خطابها يتسلل إلى بنية الدولة. السؤال المُضمر “هل يمكن أن تتطور الشعبوية نحو الفاشية؟”؛ هناك باحثون يتخوفون من إمكانية هذا الانزلاق.
▪هل الكآبة الوجودية في أوروبا عرض لمرض يشي بتفكك الاتحاد الأوروبي؟ أم أنها مجرد أزمة أونطولوجية ؟
أوظف المفاهيم التي يستعملها الغربيون حين ينظرون إلى وضعهم. لم أصغ مصطلح “الكآبة الوجودية” (mélancolie existentielle)، بل صاغه الغربيون. اعتبر إيفان كراستيف (ivan krastev) أن أوروبا تعيش أزمة وجودية، وعبر عن هذه الأزمة بأن هذه الكآبة ليست مرتبطة بالاقتصاد بل بالخوف؛ استبداد هذا الشعور هو الذي يحول دون أن تصبح أوروبا قوة.
وبغض النظر عن أي سجال سياسي، هناك أزمة داخل الاتحاد الأوروبي استفحلت مع البريكست. أوروبا عملاق اقتصادي وقزم سياسي. أو ما يعبر عنه بكونها سويسرا كبيرة، فضلا عمّا يسمى وصاية بروكسل، أو حكم التكنوقراط الأوروبيين مع نظرائهم المحليين، مما يعطل السيادة الشعبية. أوروبا تبحر نحو ما سماه كراستيف بـ Perhapsburg “كل شيء ممكن”، لم يكن أحد قبل سقوط جدار برلين يظن بإمكانية سقوط الاتحاد السوفياتي. احتمال تحلل الاتحاد الأوروبي وارد.
▪أشرتم في كتابكم إلى لعنة سيزيف المرافقة للعالم العربي، والتي تتكرس بتحول النفط من نعمة إلى نقمة ؟
النفط جزء من لعنة عامة، ومنها لعنة الجغرافية، أي الجوار مع أوروبا ومخلفات الصراع الأيديولوجي المزمن بين الإسلام والمسيحية. في أول مؤتمر جمع مستضعفي العالم، الذي كان نواة عدم الانحياز، بباندونغ سنة 1955، كان يُنظر إلى 3 قوى حضارية، وهي الصين والهند والعالم العربي.
بعد 60 سنة نجح كل من الصين والهند، أما العالم العربي فلم يشكل قوة بديلة، والوضع الحالي ليس في مستوى التطلعات التي كانت تحملها مرحلة بعد الحرب العالمية الثانية. واقع الحال يجعلنا أمام دول متخلفة وفقيرة، باستثناء دول الخليج بفضل طفرة النفط.
لم يسهم النفط في خروج العالم العربي من التخلف ليكون قوة وازنة. هناك سؤال آخر أعمق من عامل النفط، وهو الوحدة. هل وحدات العالم منسجمة أو قابلة للانسجام أم متباينة؟
هناك تيارات تقول إنه ليس هناك “عالم عربي”، هناك دول عربية وصعب أن نتحدث عن “عالم عربي”. في السياسة كما في الحياة، الناجح هو من يفرض تصوره، والذي أخفق يتحمل حكم الناجح عليه. العالم العربي فوت فرصاً تاريخية مهمة ليُخرج نفسه من دائرة التخلف ويتحول لقوة و”مالكاً لزمام أمره”، والحال أن العالم العربي يشكو من لعنة عدم الاستقلالية (Heteronomy). لا شيء يمكن أن يتحقق من دون استقلالية القرار، واستقلالية القرار لا يمكن أن تقوم من دون حد أدنى من القواسم المشتركة. والحدود الدنيا تم الإجهاز عليها، ويتم الإجهاز عليها.
▪نشهد مرور عقد على الانتفاضات العربية ورغم أنك لم تُفرد للثورات العربية في كتابك القيم حيزاً كبيراً ولكنك لم تنسها، ماذا يمكنك قوله بخصوصها الآن؟
صحيح أنني تناولتها عرَضا، لأن الموضوع يستحق عملا منذورا لفهم هذه الحالة، من الانتفاضات إلى الانتكاسة. كان للانتفاضات مسوغها بالنظر لعوامل موضوعية، كان قد وقف عليها تقرير لمنظمة الأونكتاد (الأمم المتحدة للتجارة والتنمية) حول التنمية البشرية سنة 2002.
وكما يقول المثل “فلا بد للمصدور أن ينفث”، فإن التعبير عن الضُّر ليس هو العلاج، صحيح أن العالم العربي عبر عن أناتِه من خلال رفضه للاستفراد بالسلطة، والاستحواذ على الثروة، وعبر عن توقه ليعيش كما نادت أوروبا الشرقية بعد سقوط حائط برلين.
التعبير عن الآلام والتطلعات شيء، والعلاج شيء آخر، عدم وجود علاج أو تصور هو الذي أنجح الثورة المضادة. هل خمد البركان بصفة نهائية؟ لا أرى ذلك، لأن الأسباب الموضوعية التي أدت إلى الانتفاضات تظل قائمة. لا يمكن الزعم أن القوى المحافظة أرجعت “الجني إلى قمقمه”.
▪في الفصل العاشر #الأخ_الكبير تعرضتم لمفهوم جورج أورويل وربطتموه بالعالم “الرقمي”، ما تأثير ذلك على الإنسان المعاصر وعلى الديمقراطية؟
ننطلق من الواقع، والواقع يقول إن الأدوات الرقمية استُعملت من طرف الأنظمة، ديمقراطية كانت أم استبدادية، للتضييق على الحرية.
كتاب”إدوارد سنودن” (Edward Snowden) “السجل الدائم” Permanent Record، يشير إلى خطر تتبع التقنية للجميع، فكل شيء اليوم بات عرضة للتتبع. أن يكون هذا التتبع لمسوغات أمنية مقبول، ولكن أن تستعمل التقنية من أجل تقليص الحريات الفردية هو الأمر المرفوض.
الأدوات القانونية لضبط هذه الظاهرة لا تزال متخلفة عن ركب التطور الرقمي المذهل. لا نملك أدوات لـ “الضبط” جموح الأجهزة الأمنية، وهو ما يجعلنا أمام “أخ أكبر” أكبر بكثير مما تخيله جورج أورويل.
لم نفرز ميكانيزمات لصد هذا التمدد الذي يفضي إلى دكتاتورية رقمية. اليوم أضحى الإنسان كما قال الفيلسوفان الفرنسيان مارك دوغان (Marc DUGAIN) وكريستوف لاب (Christophe LABBE) عاريا (L’homme nu) في زمن التقنية.
المصدر : الجزيرة
عثمان أمكور – الرباط


شاهد أيضا