أنتلجنسيا الثقافة والفكر والأدب

لـــمـــاذا الـــشِّـــعـــر ؟

انتلجنسيا المغرب 

 

نعم .. لماذا الشعر؟ .. وهل هو ضرورة ؟؟ .. وما جدواه ؟؟؟ أسئلة ألقاها باحثون وفلاسفة وشعراء ، وما تزال تنتج أجوبة تختلف باختلاف المناهج ، وتتنوع بتنوع الرؤى والمذاهب. ليس هناك مَن يجادل في حق أي إنسان أن يلقي ما يشاء من الأسئلة ، فإلقاء الأسئلة دليل على حركية العقل وحيوية الروح ، وحرمان الناس من حقهم في التساؤل هو تعطيل لعقولهم وإجهاز على كرامتهم وانحطاط بهم إلى درك الأقنان وحضيض الحيوان.

لكنني عندما وُوجهت بهذا السؤال : – وما قيمة الشعر أمام المنجزات التكنولوجية في عصرنا هذا ؟ كان لا بد قبل تلمس الإجابة من وضع الذين طرحوه في قفص التساؤل عن معنى سؤالهم ومرماه. بدا لي السؤال خاليا من الجدية التي نجدها عادة في أسئلة الذين حماهم الله من الكسل العقلي ، وعكست لي سخرية السؤال ما في نفوس طارحيه من رغبة دفينة في قتل الشعر ، وكأن الشعر هو المجرم الذي تقع عليه تبعات تخلفنا ، وكأنهم بقتل الشعر أو إلغائه ونفيه على الأقل ، سيصبحون أبطالا ، وسيرتفعون في سماء المجد أميالا ، وسيخترقون المستقبل أجيالا وأجيالا. أصحاب هذا السؤال لا يفهمون الشعر إلا على أنه كلام يبتعد بالإنسان عن الواقع ليحلق به في سماء الخيال ، والشعر – كما يفهمونه تعسفا – هو تلفيق صور خالبة وصياغة تعابير كاذبة ، وهو في نظرهم نوع من الأفيون يبلد الإحساس ويعطل الوعي ولا يجدي الإنسان نفعا في مواجهة متطلبات الحياة وضروراتها ؛ إنه ترف لفظي لا يغني عن العلم ، العلم وحده هو الذي يخدم الحياة ويدفع الإنسان إلى التقدم والرقي والتطور.

. لا شك أن هذه النظرة إلى الشعر – رغم عدوانيتها – تشي برغبة أخرى عند أصحابها في تغيير الواقع الفاسد وتجاوزه إلى الأفضل ، وهي رغبة إيجابية بدون شك. لكن خطأ أصحاب هذه النظرة هو أنهم بدلا من أن يبحثوا عن أسباب تخلف واقعهم في أكاذيب السياسة ، وقصور برامج الدراسة ، يصبون جام غضبهم على الشعر ويحملونه ما لا يحتمل. خطأ هذه النظرة يكمن في عجز أصحابها عن أن يدركوا أن الشعر كفنِّ من الفنون يمكن أن يكون – كما قال أدونيس – رؤيا احتجاج على السائد وتساؤل حول الممكن .

إن الإنسان في أمس الحاجة إلى الشعر ، وإنسانيته لا تكتمل إلا بالشعر . الإنسان لا يعيش ليأكل ويشرب ويتنفس ويسعل وينام ويصحو ويسعى في الأسواق ويتكلم مع غيره . إنه في حاجة إلى أن يتكلم مع نفسه ، وأن يتعمق هذه النفس لسبر أغوارها واكتشاف خباياها ، مثلما أنه في حاجة أيضا إلى معرفة العالم الخارجي بدء من أخبار محيطه القريب وانتهاء بأسرار أصغر ذرة بأبعد كوكب في أقصى مجرة. الإنسان لا يكتفي بكيانه الفردي، ويطمح دائما لربط أناه الضيقة بالكيان المشترك للناس لجعل فرديته اجتماعية ، كما أنه يسعى لخلق التوازن بينه وبين عالمه. وهو بعد ذلك أو قبل ذلك ذو حاجات نفسية عليا ، إنه في حاجة إلى التعبير عن الحب والفرح والحزن وعن مفاجآت المسير وقلق المصير . وهو يجد لغته العادية تعجز عن ترجمة كل تلك الأحاسيس ، لذلك يلجأ إلى الشعر مبدعا أو متلقيا مستهلكا باعتبار الشعر قادرا على تمكينه من الرؤية الشاملة للأشياء وقادرا أيضا على النفاذ إلى جوهر الأشياء.

الشعر كما يقول صلاح عبد الصبور هو فن اكتشاف الجانب الجمالي والوجودي من الحياة ، والإنسان بلا شعر من شأنه أن يفقد فضيلة تقدير الحياة والنفس البشرية. ليس الشعر أن نقوله ونردده ، وإنما الشعر أن نعيشه ونكونه ، وأن يشتعل في دمنا حتى يصير نورا داخليا تستضيء به بصائرنا. الشعر ليس مرحلة من مراحل النمو الحضاري، لكنه كما يؤكد أديب صعب جزء أساسي من جميع الحضارات . وهو لا يتعارض مع العلم ، فللعلوم منطقها وطرائقها ولغتها وللشعر منطقه وطرائقه ولغته، ثم إن الخيال الشعري ليس نقيضا للواقع ولكنه أداة لإعادة تكوين الأشياء . والشعر لا يخاصم التكنولوجيا ولا يعاديها ، لكنه يعادي استخدامها الهادف إلى استغلال الإنسان واستعمار الأوطان وتسخيرها من أجل الإثم والعدوان كما حدث في نكازاكي وهيروشيما وأفغانستان وفلسطين والعراق وجنوب لبنان … ” الشعر ضرورة .. وآه لو أعرف لماذا ؟ ” بهذه القولة عبر جان كوكتو عن حيرته تجاه دور الشعر في العالم .

أما الشاعر العربي نزار قباني فيرى أنه ما دام الإنسان / السؤال منتصبا على وجه الأرض فلا فرار من الشعر ، ولا انفلات من أصابعه السحرية. وأختم ببعض المقاطع من قصيدة جميلة للشاعر الإسباني جوستافو أدلفو بيكر : ”

لا تقل إن القيثارة قد صمتتْ –

بعد أن جفت كنوزها –

لأنها لم تعد تجد نغمةً تعزفها،

ربما لن يوجد شعراء

ولكن الشعر سيوجد دائما

ما دام العلم يبحث

دون أن يتوصل لاكتشاف ينابيع الحياة

وما دامت الإنسانية تتقدم

دون أن تعرف إلى أين تسير

وما دام يوجد سر للإنسان

فسيوجد الشعر

. وما دام العقل والقلب

مستمرين في الصراع

وما دام يوجد أمل وذكريات

فسيوجد الشعر

وما دام بإمكان روحين

أن تشعرا

بأنهما اندمجتا في قبلة

وما دامت توجد على الأرض

امرأة جميلة

فسيوجد الشعر

” هذا ما قاله بيكر رحمه الله. نعم .. رحمه الله ، ورحم كل الشعراء العظام .


شاهد أيضا