أنتلجنسيا الثقافة والفكر والأدب

صراع الأجيال داخل العدالة والتنمية!!!

انتلجنسيا المغرب 

كثر الحديث مؤخرا داخل العدالة والتنمية عن صراع الأجيال، وعن ضرورة التمكين السياسي للشباب، وكان ممن كتب حول الموضوع مؤخرا الأستاذ بلال تليدي في مقال له بعنوان “لعبة الشباب داخل العدالة والتنمية”، والأستاذة آمنة ماء العينين في تدوينة لها حول الموضوع نفسه، كما أصبح هذا النقاش طاغيا داخل الحزب وشبيبته.
وأول الملاحظات التي ينبغي تسجيلها في هذا الباب، هو أن هذا النقاش هو نقاش مستجد زمنيا، وأنه أدخل للحزب اسقاطا لنقاش متوهم وزائف يجري داخل المجتمع حول الأمر نفسه “التمكين السياسي للشباب”، ما يعني أنه نقاش لا علاقة له بالأزمة الحقيقية داخل المجتمع والحزب.
إنه تحريف للاختلاف الحقيقي داخل العدالة والتنمية، والذي لا علاقة له بصراع الأجيال، والاستمرار فيه هو تغطية عن ذلك الاختلاف ، وبالتالي استمرار الحزب في أزمته.
فالاختلاف الحقيقي داخل العدالة والتنمية هو اختلاف بين تيارين-أطروحتين-توجهين أساسيين، تيار ينطلق من أولوية النضال/البناء الديمقراطي كمدخل رئيس للتغيير في المغرب، في مقابل تيار يسقط النضال الديمقراطي من أجندته، لصالح طغيان الجانب التقني-التدبيري، وهو ما يجسده شعار “الانصات والانجاز”، وكلا التيارين يضمان شيوخا وشبابا. بل إن أحد أبرز المعبرين عن التيار الأول هو القيادي التاريخي للحزب عبد الاله بنكيران –وإن كان يرفض منطق التيارات داخل الحزب نظريا مع وجودها عمليا وواقعا-، في حين أن جزءا من شباب الحزب يشكلون قطب رحى داخل التيار الثاني.
ولا يستقيم هنا وصف الشباب المعبر عن التيار الأول بالتمرد –في جانبه السلبي- والحاجة للنضج، فما يعتبر “قلة نضج” قد يكون هو عين النضج والحكمة والواقعية، في حين قد يكون الخيار الذي يوصف توهما “بالواقعي” و”الحكيم” هو عين المثالية وقلة النضج، ويكفي الاستدلال هنا بتاريخ الحركة الإسلامية بالمغرب. فما اعتبر في نهاية سبعينات القرن الماضي تمردا وقلة نضج لجزء من أعضاء الشبيبة الإسلامية بقيادة عبد الاله بنكيران كان هو قمة النضج والحكمة وفق السياق التاريخي في تلك الفترة، ولولاه لما وجد أصلا العدالة والتنمية، ولما حقق المشروع الإصلاحي ما حققه من نتائج وتمدد داخل المجتمع.
كما لا يستقيم الحديث عن ضرورة التنحي الطوعي لجزء من الجيل الأول للحزب لصالح الأجيال الثلاثة الأخرى، فعلى أي أساس ندعو جزءا معينا فقط للتنحي الطوعي؟ ولماذا الاقتصار على جزء من الجيل الأول فقط، لماذا لا تشمل الدعوة الجيل الثاني الذي يعتبر بعض من أفراده –أوظف السن تجاوزا- سببا من أسباب أزمة الحزب؟ ألا تشكل هذه الدعوة نقيضا لجزء من دفوعات المدافعين عن الولاية الثالثة؟ ثم ألا تشكل هذه الدعوة نقيضا للديمقراطية وحرية أعضاء الحزب في اختيار قيادتهم؟
إن من يفصل في المستقبل القيادي للجيل الأول وبقية الأجيال هي قواعد الحزب، لذلك فالتوجه يجب أن يكون نحو ترسيخ مزيد من القواعد التنظيمية لفرز قيادة تحظى بشرعية كاملة من القواعد، سواء في المهام الحزبية أو الانتدابية، وهذا يعني إلغاء النظام الرئاسي المتبع من قبل الحزب، وجعل اختيار قيادته تتم بشكل مباشر من قبل القواعد، حتى لا تتكرر بعض التجارب البئيسة مثلما حدث في المؤتمر الوطني الأخير، في أفق مراجعة منطق الترشيح عوض الترشح، كخيار لا بديل عنه للحزب ولمستقبله ولتدبير تناقضاته الداخلية.
ثم إنه من تزييف الوعي القول بأن شباب الحزب لا يحظى بتمثيلية حقيقية داخل مؤسسات الحزب، بل أكاد أجزم بأن الطريقة المتعمدة في اختيار المجلس الوطني عبر تقسيمه لمنطق جنسي وفئوي وجغرافي باعتماد نظام كوطا معقد ومنهك هي ما أفرزت مجلسا وطنيا أقل فاعلية من المجالس السابقة. فالمجلس الوطني هو هيئة سياسية للحزب، وليس مؤسسة استشارية “لمقاربة النوع”. فهل يعاني المجلس الوطني من قلة الشباب، ألا يشكل الشباب كفئة عمرية نسبة كبيرة في المجلس الوطني؟ لكن أين العائد السياسي من وراء ذلك؟ ثم ألا تنص قوانين الحزب على تواجد نسبة معينة من الشباب في مختلف هيئات الحزب الوطنية والمجالية؟ ألا يشرف الشباب على تسيير عدد جد كبير –إن لم يكن الغالبية- من الهيآت المجالية، فما هو العائد من وراء ذلك على الحزب؟ فالعائد ضعيف، ليس بسبب صراع الأجيال بين الشباب والشيوخ، بل بسبب أزمة الحزب البنيوية التي تعطل السير الطبيعي للحزب، والتي تتحمل مسؤوليتها القيادة الحالية للحزب من شيوخ وشباب.

شاهد أيضا