أنتلجنسيا الثقافة والفكر والأدب

من الدوغولية إلى الماكرونية.. فرنسا المتعجرفة على نهج داعش!

انتلجنسيا المغرب 

واهِم من يعتقد أن ما يصدر عن الرئيس الفرنسي #إمانويل_ماكرون، هذه الأيام، اتجاه الإسلام ورسول الإسلام عليه الصلاة والسلام واتجاه المسلمين، من استفزازات وتحرشات، هو أمر طارئ استدعاه حادث إرهابي مدانٌ ومستهجنٌ من الإنسانية جمعاء، ومن الأديان ومن رب السموات والأراضي كلهن.. بل إنه سياسة عنصرية بغيضة قائمة على القمع ورفض الآخر وازدراء معتقداته، بل وعلى سفك الدماء، وحتى التمثيل بالجثث ووضع الجماجم في المتاحف، كما تشهد على ذلك متاحف فرنسا “الأنوار”، التي تجعل منها زينة الحياة الدنيا، ورمز “حضارتها” ونبوغها في مجال الحريات وحقوق الإنسان..
ويبدو أن نية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في الإساءة إلى المسلمين، وليس إلى طائفة متطرفة جاهلة بمبادئ الدين، هي نية مبيّتة، وتكاد تتطابق مع استراتيجية لها امتداد تاريخي يصل إلى بداية عهد الجمهورية الخامسة التي أسسها لها الجنرال #شارل_دوغول، والذي كان أول من وضع الأسس الأولى للسياسة الخارجية الموجهة للعرب، في خضم تخطيطه لإحكام السيطرة على #الجزائر وفرنستها وجعلها إقليما ما وراء البحار تابعا لفرنسا لولا أن قوضت المقاومة مسعاه؛ وهي السياسة التي كانت تقوم بالأساس على الانتقاص من قدر هؤلاء، بل وتحقيرهم إلى الحد الذي لا يطاق. ويكفي لمعرفة مدى هذا الازدراء للعرب، أن ننقل ما كتبه كل من إريك آيشمان وكريستوف بولتانسكي، في مؤلف لهما حول “الأسطورة الدوغولية”، من أن الجنرال شارل دوغول قال، عام 1956 حرفيا: “مَن هم #العرب؟ العرب هم شعب لم ينجح، منذ زمن بعيد، في بناء دولة (…)”. ولغريب الصدف أن دوغول كان يقول مثل هذا الكلام وهو عائد لتوه من بريطانيا حيث أسس هناك حكومة في المنفى، لأن فرنسا كانت محتلة من طرف النازية في الحرب العالمية الثانية، وكان الجنود العرب في مقدمة خطوط الجبهة لتحرير فرنسا هاته، التي أطلق ويطلق ساستها ألسنتهم للإساءة إلى دينهم ورسولهم..
مثل هذا الكلام “الدوغولي” يكرره اليوم الرئيس الثامن للجمهورية التي أسسها سلفه “الجنرال”، حيث أعلن الرئيس ماكرون بداية الشهر الجاري، عن خطة لتنزيل حزمة قوانين أكثر صرامة للتصدي لما سماه “الانعزال الإسلامي”، والدفاع عن القيم العلمانية، مؤكدا أن “أقلية من مسلمي فرنسا، الذين يُقدر عددهم بنحو ستة ملايين نسمة، يمثلون خطرَ تشكيل “مجتمع مضاد”.
ولعل الكلام هنا أكثر وضوحا ولا لُبس فيه، بأن خطاب ماكرون، ليس موجها إلى أقلية مهمشة وذات تعليم ضعيف أو منعدم، تسكن الأحياء العشوائية في كبرى المدن الفرنسية، وإنما موجه إلى “أقلية مسلمة” حددها في 6 ملايين مسلم ومسلمة، منهم أطر إداريون وعلماء ومفكرون وأساتذة وفنانون ورياضيون ورجال أعمال وغير ذلك… مندمجون لحد التماهي داخل المجتمع الفرنسي، ومنهم المسلم المحافظ على دينه باعتدال، ومنهم من هو مسلم فقط بالهوية والاسم، بل منهم حتى الذي لا دين له.. ما يفيد أن روح خطاب التمييز والعنصرية التي يتبناها #اليمين_المتطرف، لا غبار عنها هنا، ويبدو أن ماكرون يضطر إلى استعمال الورق بهذه الكثافة، في الأيام الحالية، لأنه يخالها الورقة المثلى التي قد تجنبه هزيمة انتخابية مدوية، وهو على وشك نهاية ولايته في قصر الإليزيه بنتيجة صِفرية، ووضع اقتصادي على حافة الانهيار، ما سبقه بمثله أحدٌ من ساكني القصر..
الأنكى والأمَر في هذا الاستغلال السيء للتطرف والتطرف المضاد، للإساءة إلى شريحة مهمة من مكونات المجتمع الفرنسي، وهم الأقلية المسلمة، هو أن ماكرون وفريقه يتعارضون ويخرقون حتى مبادئ العلمانية التي أسست لها ثورة 1789، وكرّستها قوانين الدولة العلمانية، لاحقا والتي وإن شددت على ضرورة علمانية الدولة، فإنها بالمقابل أكدت على حماية واحترام المعتقدات، سواء كانت دينية أو لا دينية، بل وجرّمت ازدراءَها، ولئنْ لم يكن على أساس احتقار تلك المعتقدات لذاتها أو لرموزها، فعلى اعتبار أن من شأن الازدراء أن يُخل بالأمن العام للدولة.. ومع كل هذا يأتي ماكرون بسذاجة، بل وغباء، ويعلن أمام كاميرات وسائل الإعلام، أنه يدعو إلى إعادة رسوم مسيئة لرسولِ أقلية يُقدر أتباعها بالملايين، داخل فرنسا وحدها، وبمليار ونصف المليار بمختلف ربوع العالم..
وليؤكد الحاكمون الجدد في #فرنسا أنهم يسيئون لبلدهم أكثر من الإساءة إلى الآخرين/المسلمين، ها هي دول إسلامية عدة، إضافة إلى أنها ستعيد موقعة فرنسا في مخيالها وذاكرتها، كما سيعيد حكامها وضع أولوياتهم مع باريس، فإن الكثير من البلدان الإسلامية، دعت إلى مقاطعة اقتناء منتوجات فرنسا المختلفة، وهو ما يتوقع أن يجر المزيد من الأضرار الفادحة على اقتصاد بالكاد يترنح هذه الأيام ولايبارح المؤشرات المقلقة، في ظل تداعيات وباء فيروس كوفيد-19، وفي ظل انكماش الاقتصاد العالمي.. والجميع يعرف حجم الخسائر التي يمكن أن تتكبدها الشركات الفرنسية، من جراء مثل هذه المقاطعات الاقتصادية. وليس الأمس ببعيد، عندما قرر المغاربة مقاطعة منتوج غذائي فرنسي، حيث اضطر أكبر مدراء الشركة إلى المجيء إلى #المغرب للتوسل للمغاربة من أجل وقف المقاطعة، وقد كان السبب يتعلق فقط بالأسعار، فما بالك أن يكون الأمر يتعلق باستفزاز وقح لمشاعر أمة شعار أتباعها ومنتسبيها “#فِداك_أمي_وأبي_يا_رسول_الله“..
الرئيس الفرنسي ماكرون بإلحاحه على استغلال مقتل أستاذ التاريخ صمويل باتي أبشع استغلال، ولم يحترم دمه ولا حرمة نفسه التي أهدرها ذاك الأخرق، فقط من أجل كسب أصوات الناخبين الفرنسيين الغاضبين من ضيق العيش، ومن أزماتهم الاقتصادية المتواصلة، حتى قبل تفشي وباء كورنا، والذي ترجمته احتجاجات أصحاب السترات الصفراء، أشهُرا عدة قبل انتشار #كوفيد_19؛ يكون (الرئيس) لا يقل تطرفا وعنصرية وعجرفة ووحشية و”دعشنة” من ذاك القاتل، ومن أمثاله ممن لا يعرفون من الدِّين السمح شيئا، ويجهلون أن سبحانه وتعالى ورسوله، لم يأمرانا، في مثل حالة الرسوم المسيئة، إلا بالإعراض عنهم، تماما كما يتم الإعراض عن الجاهلين، “وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً” (الفرقان). فالجنوح إلى السلم والسلام هو أول وأقصى ما يمكن أن يصدر عن عباد الرحمن المسلمين المسالمين، إزاء مثل حالة الأستاذ وغيره، مِن الذين لا يعرفون عن الدين الإسلامي، غير تدين هؤلاء المتطرفين الناقمين على الحياة، حتى على بني جلدتهم، ممن لا يسايرونهم في أفكارهم الأصولية المرضية.
ويبدو أن ما يمكن أن نطلق عليه “الماكرونية”، إسوة بـ”الدوغولية”، والمقصود هذه السياسة الخرقاء لفريق إمانويل ماكرون، متمادية في غيها وغطرستها وعجرفتها، خاصة بعدما أصدرت الخارجية الفرنسية بيانا/أمرا تدعو فيه المسلمين إلى الكف عن مقاطعة منتوجات بلدها، بطريقة لا تفتقد فقط للدبلوماسية الواجب توفرها في وزارة الخارجية قبل غيرها، بل تنضح استعلاء وتكبرا وصفاقة.. ولعل الرئيس التركي #رجب_طيب_أردوغان عندما نصح #ماكرون، الذي يقود فريقا كهذا، بالقيام بفحص عن قواه العقلية، كان إلى حد بعيد صائبا في نصيحته، بحيث إن قيادة بلد بحجم فرنسا إلى مغامرة وانتحار بهذه الطريقة، ضاربا النسيج المجتمعي، والاقتصاد الوطني للبلاد عرض الحائط، لا يقوم بها إلا معتوه أو عربيد لحظة انتشائه بسكرة طويلة تُذهب العقل ومدركاته فتصيب السكران بتبوّل لا إرادي لا يعرف حجم فداحته وفضيحته إلا بعد أن يستفيق..
أخيرا.. لا يمكن لكاتب هذه السطور أن يخفي إحساسه وشعوره الشخصي للبوح به أمام الملإ، إزاء كل هذا التحرش بعقيدته ورسوله.. سأتردد ألف مرة وأنا في السوق أو أنوي شراء شيء ما، حتى ولو تعلق الأمر بسيارة، أن آخذ منتوجا كتب عليه “صُنع في فرنسا”

شاهد أيضا