أنتلجنسيا الثقافة والفكر والأدب

لماذا ألحد؟

انتلجنسيا المغرب 

أتأسف شديد الأسف عندما أرى أي شخص مسلم انقلب من الإسلام إلى الإلحاد، خاصة إذا كان شخصا أعرفه عن قرب.
لا أستطيع أن أعرف الدوافع النفسية والروحية والعقلية التي تدفع المرء إلى الإلحاد، فهذا من أمور الغيب. وقد يتوهم المرء أحيانا أن لديه دوافع عقلية دفعته إلى الإلحاد، ولكن هذه الدوافع في الحقيقة هي مجرد غطاء للدوافع النفسية والروحية. ألا ترى أن الكثيرين من هؤلاء يردون الإلحاد لديهم إلى “قلق فكري” أو “حيرة عقلية” وما في معناهما؟ فذلك الدافع نفسي أولا في الغالب، إذ القلق مسألة روحية ونفسية، والحيرة مسألة نفسية وجدانية، وبعدهما يأتي الفكر والعقل، لأنهما يسمحان بعملية التجسد أو التمثيل matérialisation.
الإشكالية عندنا في العالم العربي إشكالية غريبة. فنحن نولد مسلمين بحكم الانتماء القومي – الديني، لكن النشأة شيء والتنشئة شيء آخر. ونحن نأخذ الإسلام في النشأة الأولى، لكننا لا نتلقى التنشئة.
لماذا “أرغم” على أن أكون مسلما في الأسرة والمجتمع من دون أن يوفر لي مجتمعي ومؤسساته الحصانة الفكرية التي تجعلني مستقبلا في مستوى الرد على تساؤلاتي؟ وإذا لم يكن اعتناقي للإسلام اختيارا، لماذا لا أتمرد على شيء تقلدته دون اختيار وأمارس حريتي في الاختيار بعد “النضج” أو على الأقل الكبر؟.
كون الناس يلحدون في المجتمعات العربية معناه أنهم يعانون من عدم اهتمام مجتمعاتهم بهم، وأن النظام التعليمي لا يقدم لهم الزاد المعرفي الحقيقي. وهذه إشكالية خطيرة جدا. كيف؟.
في النظام التعليمي الإسلامي القديم، في المغرب وغير المغرب، كان التعليم كتلة واحدة، يجمع العلمي والأدبي والشرعي، بحيث يكون التعليم متوازنا ويخرج المتعلم شخصا قائما على رجليه. لهذا السبب وجدنا فقهاء علماء فلك، وأطباء مفتين، ونحويين مهندسين، وغيره. ومنذ التقسيم الحدي بين العلمي والأدبي سقط التعليم، لأننا بنينا جزيرة بين الإثنين لا أحد يزور الآخر.
لذلك تلاحظ أحيانا أن بعض الذين يختارون هذا الطريق يطرحون أسئلة بسيطة للغاية، لكنها تبدو لهم أسئلة شائكة.
واليوم انتشرت بدعة جديدة في غاية الغرابة عندي، بل هي بكل صراحة تجعلني أشكك في القدرات الفكرية لأصحابها.
هذه الظاهرة هي تبرير الإلحاد بكلام الفقهاء والعلماء والدعاة أو ما ورد في بعض كتب الفقه، مع أنه من الناحية العلمية لا يجب أن أعتمد كلام الأشخاص للحكم على الأصل، لأن الأشخاص متعددون، فكما أعتمد أشخاصا يدفعونني إلى الإلحاد يمكنني الاعتماد على آخرين يدفعونني إلى الترقي الإيماني والتشبث بديني. هذا معيار مزدوج.
أمثال هؤلاء هم مثل من يعبد الله على حرف. الأصل في الإسلام أن علاقتك بالله ورسوله فقط، والباقون قد يخطئون وقد يصيبون، وقد يصابون بالحمق أو الغفلة أو يحرفون النصوص أو يلحدون كما ألحدت أنت، ولكن الله سبحانه لا يلحد، باق في مكانه “إن ربي على صراط مستقيم”.
وأنت عندما تجعل هؤلاء مقياسا لك في الحكم على الإسلام، بل سببا في اتخاذك قرارا خطيرا يغير حياتك جذريا، تكون في غاية الضعف والصغر، لأنك تجعل مجرد أشخاص قادرين على تحويل اتجاهك. فلماذا تنعي على الفقهاء مثلا تهمة “الوساطة” مع أنك أنت اتخذت الوساطة إلى الإلحاد؟.
في النهاية نكتشف أننا لا نعرف الإسلام إطلاقا، بل نعرف من يتكلمون به أو عنه، لذلك لا يمكن لشجرته أن تنمو في قلوبنا ونحن نكبر. هذا هو الخطر الأعظم.

شاهد أيضا