أنتلجنسيا الثقافة والفكر والأدب

“محمد سبيلا” يتحدث عن المهدي بنبركة والفرنكفونية وقضايا سياسية شائكة بالمغرب

Intelligentcia Maroc

أنا أنتمي لجيل نشأ وكبر واندمج بالمعنى القوي للكلمة بالفكر والثقافة والرؤية السياسية التي كان المرحوم المهدي بن بركة رائدها ومهدها الأول”، هكذا بدأ المفكر والفيسلوف المغربي محمد سبيلا محاضرته التي ألقاها الأسبوع الماضي، في أكاديمية “المهدي بن بركة” بالدار البيضاء.

سبيلا أكد في محاضرته أن المهدي بن بركة ظل على الأقل في منظور جيله هو مؤسس الفكر الحداثي المغربي، الذي كان يعبر عنه في فترة الخمسينيات “بالفكر التقدمي”.

وأبرز سبيلا أن هذا الرجل، أي بن بركة، ألهب جيله والأجيال اللاحقة، وأطلق حيوية تاريخية استمرت وازدهرت خلال النصف الثاني من القرن العشرين، لتفرض نفسها كحدث تأسيسي مفصلي ومرجعي في تاريخ المغرب الحديث.

الانفصال عن التقليدانية

وأكد سبيلا أن المهدي كان صاحب إرادة الانفصال عن المواقف التقليدانية، والمواقف المحافظة والجمود الذي طبع الحركة الوطنية خاصة بعد مرحلة الحصول على الاستقلال، والتي عاش المغرب فيها حالة “انتشاء”، وما تلاها من انشغال بتوزيع الخيرات واقتسام الأراضي والمؤسسات، والمناصب والمكاسب الموروثة عن المستعمر.

ويشير سبيلا أن هذه المشاغل نشأت عنها صراعات حادة وتقاتلات لا رحمة فيها، جعلت الحقل السياسي ساحة حرب حول مجموعة من التوجهات، لكن أيضا حول المكاسب والمغانم، وذلك بحسبه “إذا نظرنا إلى الواقع التاريخي في عرائه، أي خارج كل التجميلات والتزويقات والتنميقات الإديولوجية”.

تمت المصادقة ضمنيا على فرض الفرونكوفونية كشرط سياسي وكمعيار، وقاعدة لكل انخراط في الفعل السياسي الرسمي، وطبعا في المؤسسات الرسمية

وسجل سبيلا أنه في تلك الفترة راكمت القيادات السياسية في حزب “الاستقلال” و”الشورى” وفي المحيط المخزني خلال مرحلتين، مرحلة النضال ضد الاستعمار، ومرحلة السنوات الأولى من الاستقلال صراعات سلبية وأحقادا وضغائن بعضها جيلي، وبعضها جهوي أو إقليمي، وبعضها إثني أو عرقي، وبعضها ثقافي أو لساني أو نفسي.

وهذه التناقضات، حسب سبيلا ، عبرت عن نفسها بوسائل مختلفة، حيث تمت المصادقة ضمنيا على فرض الفرونكوفونية كشرط سياسي وكمعيار، وقاعدة لكل انخراط في الفعل السياسي الرسمي، وطبعا في المؤسسات الرسمية.

ويؤكد سبيلا أن هذه التوترات والتعارضات التي اختزلتها الحركة الوطنية في مرحلتها، والتي تضرب في جذورها في فترة ما قبل الاستقلال، عادت وأججت المشهد السياسي الذي سيتخذ صيغة “مرجل سينفجر في مرحلة الانفصال سنة 1959 (تأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية والانفصال عن حزب الاستقلال)، الذي سيصبح حدثا مرجعيا في تاريخ المغرب الحديث”.

هذا الحدث التاريخي، يشرح سبيلا، استثمر مرارا لأنه تضمن ملامح ثقافية طبعت تاريخ المغرب الحديث كله، لذلك تجرأ المهدي بن بركة على القول بأن هذا الحدث كان تأسيسا لانفصال المغرب بمختلف تلويناته وسلالاته”.

وأكد سبيلا أن هذا الانفصال لم يكن فقط مسألة سياسية بل كان أيضا حدثا ثقافيا بامتياز وذلك بحكم مفاعيله اللاحقة.

الدعوة للانفتاح على العالم

ويشدد سبيلا على الدور الكبير الذي لعبه كل من المهدي بن بركة وعبد الله إبراهيم في تلك الفترة، واختيارهما التوجهات التقدمية سياسيا وثقافيا، فابن بركة تمحور برنامجه التحرري حول ثلاث محاور أساسية، أولها التحرر الاقتصادي، ثم السياسي والثقافي.

وأضاف سبيلا “رغم أن المشاغل الأساسية للمهدي بن بركة كانت سياسية بدرجة أولى، فإنه خص الثقافة في منظورها التحرري العصري بأهمية خاصة، ولو أن الصورة السياسية للمهدي طغت على صورته الثقافية وطمستها، علما أنه كانت هناك محاولات لطمس الصورتين معا”.

المغرب من البلدان التي بقيت بمعزل عن الثورات الكبرى التي زعزعت أركان الإنسانية منذ ثلاثة قرون

ويشرح سبيلا أن الملامح الأساسية للتصور الثقافي الذي بلوره المهدي بن بركة في بعض نصوصه، تضمن مجموعة من العناصر، أولها التشخيص التاريخي لوضعية المغرب ضمن خارطة التطور العالمي، لأنه كان يرى أن المغرب من البلدان التي بقيت بمعزل عن الثورات الكبرى التي زعزعت أركان الإنسانية منذ ثلاثة قرون، أي منذ ثورة الآلة البخارية إلى ثورة الكهرباء والذرة والثورة الاقتصادية والاجتماعية، وهذا هو سر ركود وتخلف المجتمع المغربي، حسب رأيه.

وقال سبيلا، إن المهدي بعد وصفه لهذه الأعراض، ركز  على الدعوة إلى الانفتاح على العالم لفهم وتمثل كل مستجداته التقنية والسياسية والاقتصادية والثقافية، حيث يقول “نود أن تتوفر لنا عدة نوافذ مفتوحة على العالم، وذلك حتى نستنشق هواءات العالم الحديث، التي هي هواءات الحرية والتقدم”.

نقد التدين الطقوسي

العنصر الثاني في مشروع بن بركة الثقافي، كما قدمه سبيلا في محاضرته، كان نقد التدين الطقوسي الموسمي وعبادة الأصنام، لأن المغاربة تعودوا كما قال المهدي في ضيق أفق منهم على تمجيد الأبطال المجاهدين ضد الغزاة الأجانب من إسبان وبرتغاليين وإنجليز، حتى أصبح هؤلاء الأشخاص محل عبادة وتقديس، وأصبحت أضرحتهم مقصدا لكثير من المواطنين، وأصبحت تقام لهم احتفالات سنوية خاصة ومنظمة، وأخذت الشعوذة تظهر في هذه الاجتماعات، ونشأ عنها تكوين فرق “حمادشة” و”عيساوة” وغيرها، وأخذ المشرفون عليها يدعون أن قطبهم (سيدهم) قادر على تمكين المرأة العاقر من الولادة، وقادر على معالجة الأمراض وغيرها، وهكذا كثرت الخرافات.

ورأى المهدي بن بركة أن أول رد فعل في مواجهة هذه القوى التقليدية قيام الحركة الوطنية السلفية التي أبرزت حقيقة الإسلام، وأخذت تدعو المواطنين إلى نبذ الخرافات، والقشور التي تكونت فوق لب العقيدة الإسلامية المبنية على حرية المناقشة والتفكير.

كما وجه المهدي بن بركة، كما بين ذلك سبيلا، نقده للغلاة من الفقهاء وبخاصة لأولئك اللذين لا يتورعون عن اتهام الأجيال الجديدة بالزندقة والخروج عن الدين، فبمجرد أن يعمد مواطن بالإدلاء برأي جديد إلا واتهموه بالمروق عن الدين، في حين أن للمغرب تراثا دينيا مستنيرا وهو بحسبه (أي بن بركة) “إسلام حقيقي أكثر نصاعة وسلفية من الإسلام الذي اتبعناه، والمحاط بطبقة من القشور والخرافات وعبادة الأصنام”، ويؤكد هنا المهدي على السلفية بمعناها الإيجابي.

رجعية العلماء وبلاط القصر

وبحسب سبيلا فإن المهدي بن بركة لا طالما عبر على فكرة أن المجتمع المغربي يعاني من الركود والانعزال مقارنة بتطور الشعوب الأخرى، وأن فئة اجتماعية توصلت إلى إعاقة مظاهر التطور في بلادنا، وهي فئة “الرجعيين” الذين أعاقوا تطور البلاد.

وأعطى المهدي أمثلة على ذلك، ومنها أن السلطان الحسن الأول أوفد بعثة علمية إلى الخارج، وعندما عادت إلى المغرب وجدت نفسها ضحية رجعية العلماء وبلاط القصر، حيث اتهمت بالخروج عن الدين بسبب ارتداء أفرادها للزي العصري، وحلقهم للحاهم وتشبههم بالأوروبيين.

السلطان الحسن الأول أوفد بعثة علمية إلى الخارج، وعندما عادت إلى المغرب وجدت نفسها ضحية رجعية العلماء وبلاط القصر

ويقول بن بركة كما استشهد بذلك سبيلا “أن هذه الواقعة تعكس عقدة نفسية سقط فيها المغاربة، وهي ذات وجهين، أولها الانغلاق على الذات ورديفه الجمود الفكري، والحذر المشترك بين العامة، الذي يشكل رغبة جامحة في الدفاع عن النفس، والنظر إلى العالم نظرة خوف وحذر، ونظرتهم إلى كل ما هو أجنبي باحتقار وازدراء، الأمر الذي جعلهم لا يفسحون أي مجال للانفتاح على الثقافة الغربية الحديثة”.

ويؤكد المهدي أن هذا هو سر إخفاق البعثات التعليمية التي أرسلها الحسن الأولى آنذاك، بموازاة مع الصين واليابان، ففي الوقت الذي نجحت فيه هذين التجربتين وكانت سببا في تقدم هذين البلدين العظيمين، كانت البعثات المغربية ضحية للأفكار الرجعية.

ويمضي محمد سبيلا في تشريحه للمشروع الثقافي للمهدي بن بركة، أن هذا الأخير كانت له رؤى وتحليلات أجمع الجميع أنها تشكل معالم ثورة ثقافية، عناصرها الأساسية هي تشخيص عناصر الواقع السلبي، ونقد التدين الشكلي الطقوسي، ثم الانعزالية والجمود الفكري، مع دعوته الملحة والمتكررة للانفتاح والتحرر، التي كانت واردة دائما في خطاباته وأفكاره.

أعطاب البرجوازية المغربية

الأفكار التنويرية للمهدي بن بركة، بحسب سبيلا، توجد أيضا في كتابات رجل عاصره ولعب نفس الدور هو عبد الله إبراهيم، الذي يمكن اعتباره المفكر الأساسي للحركية الثقافية والسياسية التحديثية في المغرب، والتي تعبر عن ذاتها فلسفيا من خلال كتاباته المختلفة، ومن خلال التقرير الإيديولوجي الأول الذي كتبه بنفسه الفكري العميق، وأسلوبه العربي الأخاذ، الذي يعكس اطلاعه على المدارس الفكرية والفلسفية الحديثة التي استوعبها خلال إقامته بباريس، حيث تأثر بمفكرين غربيين كبيرين هما هيغل وماركس، على الرغم أنه كان في الأصل خريج التعليم التقليدي.

ويشير سبيلا أن عبد الله إبراهيم عبر ما مرة أن البرجوازية المغربية عندما كانت تقدم للجماهير أشخاصا بدل مذهب، وانفعالات نفسية عوض برامج ومخططات عمل، فإنها اختارت أن تحول مجرى التيار الثوري للجماهير وتلغي إرادتها وتكبت انطلاقاتها التحررية.

ويذهب محمد سبيلا إلى أن هذه النفحة التحديثية النقدية القوية التي لازمت أفكار ورؤى وكتابات وخطى كل من المهدي بن بركة وعبد الله إبراهيم، حدثت لتعبر عن رد فعل قوي وسط مجتمع آسن، مشدود إلى الوراء بقوة، فمجتمعات المغرب العربي الأخرى كانت قد تفاعلت جزئيا ونسبيا مع تطورات الدولة العثمانية، وعانت معها أزمة التحديث مما ترك بعض الأصداء في هذه البلدان، في حين ظل المغرب أسير انعزاليته واستقلاليته وهو ما قوى تفاقم “تقاثلات التقليد” في المجتمع المغربي، وجعل أي محاولة للإفلات من هذه الحتمية التاريخية أمرا عسيرا.

وأكد سبيلا أن إحساس النخبة المغربية العصرية بهذه الرتابة هو الذي عبر عن فكرها القوي في السنوات التي تلت ما بعد الاستقلال، كوعي تاريخي مضاد عكسته لحظة المهدي بن بركة وطفرة “الاتحاد الوطني”، وراديكالية عبد الله إبراهيم.

Intelligentcia Maroc


شاهد أيضا